احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > طقوس الزفاف بقبيلة آيث بويحيي شرق الريف

طقوس الزفاف بقبيلة آيث بويحيي شرق الريف

ذ: محمد حماس
• عندما يتحدد موعد الزفاف، يكون الموسم الفلاحي قد انتهى، ويسمى “نبدو”، حيث تم تجميع المال والمحصول والماشية وبدأ الجميع يتطلع للحدث.
• يأخذ الوفد عروسه محصنة ويضعها وسط الهودج، أعطوش، ويغادرون المكان دون وداع أو إلقاء التحية، مخلفين وراءهم أفئدة منكسرة، خاصة أم العروس التي لا يسمح لها بمرافقتهم.

تقديم :
الطقوس .. مهما كانت قيمتها، فهي تؤرخ لمرحلة معينة من تاريخ الفرد والجماعة، اعتبارا لمراحل نموه، من الولادة والطفولة والمراهقة والشباب والشيخوخة حتى الموت. بمعنى آخر، لكل مرحلة عمرية تقريبا، طقوسها. فالعقيقة لها طقوس محددة تختلف من مجتمع لآخر أو بالأحرى من منطقة إلى أخرى داخل المجتمع الواحد، والزفاف والأعياد والموت …
ومعلوم أيضا أن استمرارية الطقوس رهين بمدى حرص العائلات على نقلها من جيل لجيل، وهذا ما يحدث فعلا، إذ تعمل “الجماعة”، أي القبيلة أو المجتمع برمته، على نقل طقوسها عبر أبنائها من جيل لجيل من خلال ممارستها، ومن خلال تلك الطقوس يتم تمرير العديد من المعتقدات، ومع ذلك نلحظ تلاشي العديد من تلك الطقوس، أو لنقل تعرضها للتغيير أو التحريف أو أن لنقل أيضا، أنها تعرضت للاستلاب وسط زحمة المدنية والتطور الصناعي والاقتصادي والتكنولوجي، وتأثير وسائل الإعلام … ثم هناك عامل أساس ومهم، هو موت الجيل السابق الذي عاش ومارس تلك الطقوس لفترة عمرية طويلة، وكذا الهجرة من القرية إلى المدينة أو نحو المهجر. ونخص بالذكر هنا البادية التي تم اختراق ثقافتها، ولو بشكل جزئي … المدنية المعاصرة إذن، قللت من شأن العديد من الطقوس المصاحبة لهذه المناسبات، ويهمنا هنا الوقوف عند الزفاف لأنه موضوع هذا العرض.

الزفاف كجزء / مرحلة من عملية الزواج
– القبيلة،
لابد في البداية من تحديد زمان و مكان هذا الزفاف، أي الكرونوطاب الذي مورست فيه تلك الطقوس، لإذ يتعلق الأمر بإحدى قبائل واد ملوية السفلى قبل حصر مياهه في سد “مشرع كليلة” المعروف رسميا بسد محمد الخامس، وهو المعلون بين أهل القبيلة ب”مشرع ؤ رݣاص” .. إنها قبيلة آيث بويحيي الأمازيغية المرينية الزناتية، حيث لا لسان لأهلها إلا ثاريفيث، والتي لم يتبق منها إلا خيام متناثرة هنا وهناك، يمتد مجالها الترابي في حوض كرت، منها : ” حواض الناصر” –“ﯖرواو” — “لحرايڭ” “مطلق السبسب” – “دار زيرار” … وهي القبيلة التي تتكون من عدة “فخدات” ودواوير، تنسب كل فخدة لجدها، فنجد: [أولاد الحاج أو حاجيين – – أولاد عبد السميع — الزناته — أولاد عثمان — افكراون — أولاد رحو — ابركانن (القاطنين بحاسي بركان )- أولاد زروق – احمداشن – أولاد المير – دوار الفقرا …] (1)
— الزمن النصف الثاني من ق 19 م و بداية ق 20. وقد عاشت الأهالي فترة الاستعمار الإسباني والفرنسي. وقد تعاطا معظمهم تجارة التهريب ، ومنهم من تم تجنيده في العسكر أو الشرطة الإسبانية، شأن ساكنة الريف برمته، وتعتبر اللغة الإسبانية لغة ثانية لهم بعد ثاريفيث. هم يتكلمون الإسبانية، ومن استقر منذ زمن طويل بمليلة …

مراسيم الزفاف
تبدأ مراسيم حفل الزفاف مع اختيار الفتاة/العروس، وحتى قبل خطبتها (2)، وهي مراحل يتوجب التعامل معها بكل صبر وتؤدة، لأنها لن تتكرر، ثم هي تؤكد مدى التزام كلا الطرفين/العائلتين بأعراف القبيلة وأخلاقياتها. والجدير بالذكر هنا أن عملية اختيار الفتاة ظلت إلى عهد قريب من اختصاص أفراد عائلة الزوج (الأم والأخت أو المقربات من العائلة، ونستثني هنا العمة والخالة إذا كن راغبات في تزويج بناتهن لابن الأخ أو ابن الأخت، ولا يكون الشعور متبادلا لاعتبارات الحسد أو مقاييس الجمال أو عملا بالمثل [“بَعَّدْ دَمَّكْ لَيَطْلِيكْ”، أي ابتعد عن مصاهرة من هم من أقربائك تفاديا للمشاكل]، و لو أن لهذا الأمر تفسيرا علميا، حيث زواج الأقارب غالبا ما يتسبب في ولادات غير طبيعية). أما الزوج فيكتفي بما تصفه له نساء أسرته، وهو يسر، لأن موقفا مثل هذا يدعو للتعفف وللاستحياء والحشمة والوقار … إذن، هذه المهمة تخص النساء فقط، كسفيرات الغرام أو مرسلات حب أو خاطبات، فهن يقمن بدور الوساطة( و نشير هنا أن مسألة معرفة مستوى جمال الفتاة يمكن قياسه بجمال إخوتها الذكور، لأن الفتاة يستحيل رؤيتها من طرف العريس مهما كانت قرابته العائلية، وبالتالي فالقياس يكون انطلاقا من ملاحظة وسامة الإخوة أو عدمها، لأنه يتسنى رؤيتهم في الأسواق أو في الحقل أو في مكان سقاية الماء من النهر وما إلى ذلك من الأمكنة التي تتيح التلاقي).
عندما يتحدد موعد الزفاف، يكون الموسم الفلاحي قد انتهى، ويسمى “نبدو”، حيث تم تجميع المال والمحصول والماشية وبدأ الجميع يتطلع للحدث، ومن الألسن ما بدأ يلوك القصص، (وهذا نادرا ما يحدث لاعتبار أن الزواج يهم أبناء القبيلة الواحدة أو المجاورة، وهي علاقات شبه عائلية يحكمها نظام صارم لا يمكن تجاوزه ببساطة، إذ الحكم لــ ” اجماعث “، الجماعة، و هي مكونة من الرجال فقط ، أما النساء فيمررن مواقفهن خلف الحجب، بعد هذا كله يتم إخبار أهل العروس باليوم المحدد لـ “الزواح”، أي تلك الليلة التي سوف يحضر فيها أهل العريس لأخذ العروسة من منزل أهلها. والمبادرات تأتي من جانب أهل الزوج سواء تعلق الأمر بتحديد موعد الزفاف أو برنامج الحفل الذي سيقام ببيت العريس، بعد أن أقام أهل العروس ما شاء لهم من الأفراح.
المهم تحدد الموعد. سينطلق الموكب مشكلا من شباب القبيلة، أصدقاء وأقارب العريس ( نشير هنا أنه مع اقتراب موعد الزواج تحصل شبه قطيعة بين أهل العريس وأهل العروس .. الموكب به شباب يركبون فرسانهم (الجياد) مدججين بالعصي (3) ويحوفون حول جمل على ظهره هودج، وقد كانوا يسمونه “أعطوش” (4)، يكون معدا ومزينا في أبهى حلة. طبعا النساء يشكلن جزء من هذه الرحلة التي قد تطول بسبب موقع خيام أهل العروس، بحيث أن دورهن لا يتأتى إلا وهن داخل بيت العروس. أما بلوغ هذا المستوى فبينهن وبينه معركة ضروس. فبمجرد بلوغ طلائع موكب العريس معلنا اقترابه من خيام العروس حتى يفاجئهم حشد من أقارب العروس، هم أيضا مدججين بالعصي، فتنشب معركة هي شبه حقيقية تستعمل فيها الحجارة والعصي، لن تحط أوزارها إلا بعد حين، فتسفر عن إصابات متفاوتة، وتكون النتيجة أن يستاء ويزداد غضب أهل العريس. أمام هذا الوضع يتدخل كبار القبيلة، فيقوم أهل العروس باستضافة الجميع وتقديم الإسعافات للجرحى وإكرامهم لكن دون أن يزول الغضب والاستياء. فيبيت أهل العريس ليلتهم تحت خيام أهل العروس دون أن يكلموا أحدا من الجهة الأخرى. في الصباح الباكر مع أولى تباشير اليوم الجديد وبزوغ أول خيط الشمس، يأخذ الوفد عروسه محصنة ويضعها وسط الهودج ويغادرون المكان دون وداع أو إلقاء التحية، مخلفين وراءهم أفئدة منكسرة، خاصة أم العروس التي لا يسمح لها بمرافقتهم. أما العروس فقد ترافقها أختها أو إحدى المقربات لتقوم بدور الوصيفة فقط (5). فالعروس لن تعود إلى بيت أهلها إلا بعد أسبوع لتزور أفراد أسرتها وتتباهى بحفاظها على شرف العائلة. وبعدها ستقوم العائلات بتبادل الزيارات.
عند العودة إلى بيت العريس تجد القافلة استقبالا من نوع آخر، حيث يصطف شباب القبيلة بعصيهم يتقارعون ويستفز بعضهم بعضا، في استعراض للقوة والفحولة والنخوة وأن القبيلة لها فتية يحمونها، وفي دلالة على أن العروس يظفر بها من هو قادر على حمايتها، وأن كل واحد من هؤلاء الشباب هو أهل لذلك. لن ينفض التشابك إلا بتدخل أحد الكبار. يأتي من بعيد ـ إذ كان يراقب الوضع ـ يركب جوادا و بيده عصا فينهر الجميع ليعودوا إلى رشدهم. فتعود المياه لمجاريها و ينقلبون لاستقبال العروس والترحيب بهن، ليبدأ طقس آخر. فالعروس لن تنزل من على الهودج من تلقاء نفسها بل على يد أحد أفراد العائلة، الأخ أو ابن العم أو … فـيـنزلها محمـولة بين ذراعيه .. يـطرحها أرضا .. تـــترجل بضع خطوات، فيقدم لها أهل العريس شاة (خروفا أو عنزة) تقوم العروس بجز أذنها وتسمى العملية “الرشم”، في إشارة إلى أن العروس أضحى لها نصيب داخل الأسرة، فتصدح الحناجر بالزغاريد ترحيبا بالعروس/العضو الجديد داخل الأسرة. (يتبع)

الهوامش
1 — بني بويحيى قبيلة تسكن غربي نهر ملوية، بطونها: أولاد بومعاويات، وأولاد علي، وأولاد عبد السميع، وأولاد حناوي، وأولاد عثمان، وأولاد سالم، وأولاد زمور، وأولاد عبد الدايم، وفطومة، وأولاد موسى بن محمد، والخيانين، وأولاد عبد الله بن عسو، وبني وكيل، وأولاد رحو ومحمد.
2 – الخطبة لها طقوس خاصة بها . إذ وجب التمييز بين كل مرحلة من مراحل الزواج / هناك ما قبل الخطبة ، أي الاختيار ، ثم الخطبة . و بعدها مرحلة قد تطول أو تقصر و لكنها لا تقل في الغالب عن سنة و لا تزيد لأنها ترتبط بنهاية الموسم موسم الحصاد و الجني و تجميع المحصول و نهاية أشغال الحقل و عودة المسافر و المهاجر .. و قد تتأخر قليلا بسبب وفاة داخل أسرة أحده العروس أو العريس أو الأقارب أو الجيران . لأنه ليس من اللائق الفرح مع حزن الآخر فالأمر مبدئي يتعلق بنخوة و شهامة ألأهل المنطقة ، ليسوا وحدهم طبعا ، … قلت ، ثم مرحلة بين الخطبة و الزفاف ــ الزفاف بمعنى رواح العروس إلى بيت الزوجية ــ و هو ما يعرف ب’الرواح ” قبلها و خلال تلك المدة الفاصلة تكون الفرصة سانحة للتعارف أكثر بين العائلات ، و التي في الغالب تكون على علاقة و تعارف مسبق ، فقط تزيد الأواصر و اختراق عائلة لأخرى . و لا يحوز بأي حال أن يختلي الخطيب بخطيبته/فتاته ، مهما تكن القرابة أو الظروف إلا بحضور طرف ثالث و يكون من أهل العروسة و في بيت العروسة . كما يتوجب على العريس كسوة العروسة منذ خطبتها و بعض الهدايا .. لهذا لا يجب الخلط بين طقوس مرحلة و أخرى . فكل مرحلة قائمة بذاتها و كانت جميع المراحل تصب في إناء واحد هو الزواج . و سكان هذه المنطقة أحرس ما يون على الالتزام بتلك الخطوط الحمراء التي لا يجب على أي طرف تجاوزها . فالمرأة عند خطبتها لا تبرح بيت والدها مهما كانت الظروف حتى في أخطر المواقف كالوفاة أو مرض شخص ما أو …
3 – فقد كانوا يجيدون استعمال العصا و هي المعروفة بــ ” المطرڱ ” و هي وسيلة دفاع تستعمل بطريقة رياضية وجب التدرب على استعمالها و إتقان ذلك يمسك بها الشخص من الوسط و هي عصا مصنوعة من عود السدر أو العرعر و تستعمل أيضا للقنص . يعمد القناص بواسطتها لضرب فريسته على مستوى الأرجل الأربعة ليشل حركتها
4 – العطوش أو الهودج هو معروف لدا القبائل العربية و أيضا لدا القبائل الأمازيغية خاصة في الريف و كذا عند قبيلة بني بو يحيي موضوع عرضنا و التي جاورت نهر ملوية و لا تزال . الإبل ظلت لزمن غير بعيد أليفة بين سكان هذه المنطقة تستعمل كوسيلة نقل أو اللباس أو لأكل لحومها و كذا في المناسبات الخاصة كالزفاف .
5 – هذا الطقس الأمازيغي المتلاشي ، ربما ـ و هذا تأويل شخصي باعتبار الانتماء للمنطقة ـ يعود لساكنة الشمال
الإفريقي أي إلى الأمازيغ الذين كانوا يصدون كل أجنبي دخيل على أرضهم .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.