احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الاحمر:متى يفك القانون المالي الارتباط بتقلبات أسعار البترول، والتساقطات المطرية؟

الخط الاحمر:متى يفك القانون المالي الارتباط بتقلبات أسعار البترول، والتساقطات المطرية؟

زهر الدين طيبي: هل يحمل مشروع القانون المالي الجديد نفسا تفاؤليا كما ترى الأغلبية، أم أنه لا يعدو أن يكون مجرد تعبير عن النوايا كما اعتبرته المعارضة؟ والأهم من هذا، هل يستطيع المشروع الجديد لقانون المالية تنزيل التوجيهات الملكية التي جاءت في الخطب الأخيرة؟

في معرض تقديمه لمشروع قانون المالية خلال جلسة عمومية مشتركة لمجلسي النواب والمستشارين، أكد وزير الاقتصاد والمالية، محمد بنشعبون، أن مشروع قانون المالية لسنة 2019 يحمل توجها اجتماعيا وتضامنيا، يتجلى في تخصيص 7 ملايير درهم للقطاعات الاجتماعية، في إطار التزام الحكومة بالرفع من النفقات الموجهة إلى هذه القطاعات، خاصة التعليم والصحة، وذلك تفعيلا للتوجيهات الملكية، و5 ملايير درهم برسم استثمارات الميزانية العامة في إطار مواصلة المجهود الإرادي للاستثمار العمومي وكذا 3.3 مليار درهم برسم التطور السنوي لكتلة الأجور. وأضاف بنشعبون أنه تم تخصيص 2.7 مليار درهم كأثر مالي إضافي لتفعيل مختلف الإصلاحات، خاصة تنزيل الجهوية وإصلاح العدل والمراكز الجهوية للاستثمار والتقاعد، مشيرا إلى أنه سينتج عن كل هذه الإكراهات تزايد لحاجيات تمويل الخزينة برسم سنة 2019 بما يفوق 27 مليار درهم، وهو ما يتطلب توفير موارد إضافية من أجل التحكم في مستوى عجز الخزينة.

وفي الوقت الذي اعتبرت فرق الأغلبية الحكومية أن مشروع القانون المالي الجديد، اجتماعي واقتصادي ويقوم على دعم ثلاثة قطاعات ذات أهمية كبرى بالنسبة للمواطنين، تتمثل في التعليم والصحة والشغل، فضلا عن دعم المقاولات، وهي مجموعة من الإجراءات ترتبط بالجانب الاجتماعي، وتقدم بعض الأجوبة المرتبطة بانتظارات المواطنين، وبالتالي فهي جاءت بنفس تفاؤلي، وبإجراءات عملية، من خلال ضخ ميزانيات ومبالغ مهمة لدعم الجانب الاجتماعي، لا سيما التعليم والصحة والشغل، سجلت المعارضة بالمقابل، أن الموارد، التي تطرق لها عرض وزير الاقتصاد والمالية، سيتم استخلاصها من الضريبة وأيضا من مراجعة دعم بعض المؤسسات في اتجاه استفادة القطاعات الاجتماعية كالتعليم والصحة من هذه الواردات، مشيرة إلى أنه لم يتم الحديث عن طريقة تفعيل هذه الموارد المالية. وتساءلت عن مدى تفعيل التوجيهات المتعلقة بالشباب، نظرا لعدم تناول هذا المشروع لمشاكل هذه الفئة، واعتبرت المعارضة أن الأرقام التي تضمنها المشروع بهذا الخصوص تظل فضفاضة، بالنظر إلى كون إعادة مراجعة بعض المضامين المتعلقة بالتكوين المهني تتطلب إجراءات أولية واستباقية يصعب تحقيقها خلال سنة 2019، وخلصت المعارضة إلى أن هذا المشروع يبقى مجرد تعبير عن النوايا فقط.

في الضفة الأخرى من البرلمان، وفي الوقت الذي اعتبر وزير الاقتصاد والمالية، محمد بنشعبون، بأن مشروع قانون المالية الجديد جاء بتوجه اجتماعي وتضامني، يتجلى في تخصيص 7 مليار درهم للقطاعات الاجتماعية، في إطار التزام الحكومة بالرفع من النفقات الموجهة إلى هذه القطاعات، تساءل الخبراء والمهتمون بالشأن الاقتصادي والسياسي عن مدى تنزيل مشروع قانون المالية للتوجيهات الملكية الخاصة بتبني الحكومة لحزمة إصلاحات هيكلية اجتماعية، تشمل إصلاح التعليم والتكوين المهني وقطاع الصحة، إضافة لمنظومة الوظيفة العمومية، والمؤسسات العمومية، والمنظومة الجبائية، ومنظومة الدعم. من هذا المنطلق تطرح أسئلة مشروعة: هل يستجيب مشروع قانون المالية المعروض حاليا على البرلمان، فعلا للتوجيهات الملكية المنادية بتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين؟ وهل اعتمدت الحكومة على تبنى إجراءات اجتماعية حقيقية أم أنها اختارت تدابير مسكنة فقط قد تؤجل الاحتقان الاجتماعي، دون أن تنهيه؟ ألسنا في حاجة ماسة إلى رؤية اقتصادية واضحة قادرة على إخراج المغرب واقتصاده من دوامة الركود؟ وأخيرا، هل تتوفر حكومة سعد الدين العثماني على استراتيجية اقتصادية قادرة على تحفيز النمو الاقتصادي والنسيج المقاولاتي؟

ما يلاحظ من خلال القراءة الأولية للقانون المالي الجديد، هو أن حكومة سعد الدين العثماني لم تتبنى أية مقاربة جوهرية لحلول شاملة تروم خلق فرص الشغل، والاعتناء بالفئات الشعبية، عبر توزيع الدعم لمن يستحقه، خاصة وأن الأزمة الاجتماعية التي يعيشها المغرب، كما يجمع على ذلك الكثير من الخبراء، أعمق من مجرد الحديث عن إصلاحات ظرفية أو طفيفة لتخفيف وطأة الضغط الشعبي على الحكومة، بالنظر إلى أن ارتفاع نسبة التضخم، وضعف النمو وارتفاع نسبة المديونية، وكلها مؤشرات تنبئ بالوصول إلى مرحلة الخطر.

لقد سبق لتقرير بنك المغرب أن دق ناقوس الخطر عندما أكد أن المغرب في حاجة إلى إقلاع حقيقي وتعبئة شاملة لجميع قواه الحية بغية إرساء مناخ يتيح تحقيق نمو اقتصادي أسرع وخلق فرص شغل أكثر، بشكل يجعله قادرا على ضمان ظروف معيشية أحسن لمواطنيه ومنح الأمل بمستقبل أفضل لشبابه. التقرير الأخير الذي رفعه والي بنك المغرب إلى جلالة الملك حول الوضع الاقتصادي في البلاد جاء فيه “أن المغرب قد أحرز إجمالا بعض التقدم في سنة 2017، إلا أن الوتيرة تبقى دون المستوى المطلوب، إذ يظل النشاط غير الفلاحي بطيئا، وعلى الرغم من التحفيزات والمجهود الاستثماري العمومي، لا يزال الاستثمار الخاص محدودا، مما يقلل من فرص تحسن النمو والتشغيل.” لهذا نعيد السؤال بصيغة أخرى، أكثر وضوحا: إلى أين تتجه الحكومة بالمغرب؟ ولماذا دق المجلس الأعلى للحسابات بدوره ناقوس الخطر حول تصاعد عجز الخزينة، ووضع الاستثمار العمومي؟ ما جدوى إصلاح نظام التقاعد ما دام أن مؤشرات ديمومة نظام المعاشات المدنية برسم سنة 2017 استمرت في التدهور، رغم تنزيل الإصلاح؟

بدون تشاؤم، وبكل موضوعية، ما يمكن فهمه من خلال العرض الذي قدمه إدريس جطو، مساء الثلاثاء الماضي، حول أعمال المحاكم المالية، خلال جلسة عمومية مشتركة لمجلسي البرلمان، هو أن الوضع الاقتصادي ليس بخير، وأن مجموعة من المؤشرات تؤكد بأن الحكومة فشلت في إيجاد بدائل لتجاوز الخطر الذي يحوم حول الاقتصاد الوطني.  لقد دعا الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، إدريس جطو، الحكومة إلى اتخاذ تدابير جريئة لتقليص عجز الخزينة، وإلى وضع تصور جديد للاستثمار العمومي ينبني على معايير النجاعة والمردودية والحكامة، ويساهم في تحقيق تنمية متوازنة ومنصفة توفر فرص الشغل وتنمي الدخل. كما سجل المجلس الأعلى للحسابات أن مؤشرات ديمومة نظام المعاشات المدنية برسم سنة 2017 استمرت في التدهور حيث تقلص عدد النشيطين إلى 2,12 بالنسبة لكل متقاعد واحد خلال السنة الماضية بدل 2,24 سنة 2016.

فبالنسبة للمؤشر الأول، قال ادريس جطو، إن دين الخزينة واصل وتيرته التصاعدية، إذ بلغ مع نهاية 2017 ما يناهز 692,3 مليار درهم بنسبة 65,1 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مسجلا مديونية إضافية تناهز 35 مليار درهم. ودعا المجلس الأعلى للحسابات، الحكومة إلى اتخاذ تدابير جريئة لتقليص عجز الخزينة، وذلك بتوسيع الوعاء الضريبي والتحكم في النفقات والعمل على تسريع وتيرة النمو، بما يخفف من المديونية ويضمن القدرة على تحمل أعبائها على المديين المتوسط والطويل. أما بالنسبة لمؤشر الاستثمار العمومي، فقد دعا المجلس إلى اعتماد تصور جديد للاستثمار العمومي يأتي انسجاما مع التوجيهات الملكية الرامية إلى بلورة نموذج تنموي جديد “قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية” مع الارتكاز على “آليات فعالة لتطويره محليا وجهويا”. وفيما يخص تقييم إصلاح نظام التقاعد، وبعد سنة على تنزيله، سجل المجلس الأعلى للحسابات أن مؤشرات ديمومة نظام المعاشات المدنية برسم سنة 2017 استمرت في التدهور حيث تقلص عدد النشيطين إلى 2,12 بالنسبة لكل متقاعد واحد خلال السنة الماضية بدل 2,24 سنة 2016. وقال الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، إدريس جطو، إن عدد المتقاعدين ارتفع إلى 358 ألف مستفيد سنة 2017 بدل 337 ألف متقاعد سنة 2016. وأضاف جطو أن مجموع المساهمات المستوفاة خلال سنة 2017 بلغ ما يناهز 18,6 مليار درهم، في حين وصل حجم المعاشات المؤداة إلى 24,2 مليار درهم، مما ترتب عنه عجز تقني بلغ 5,6 مليار درهم السنة الماضية مقابل عجز ناهز 4,76 مليار درهم سنة 2016. وأشار الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، في هذا السياق، إلى وضعية الصندوق المغربي للتقاعد، “بالنظر للمخاطر الكبيرة التي تمثلها مؤشرات العجز في هذا الشأن على توازن المالية العامة، وذلك بالرغم من أهمية الإصلاح الذي باشرته الحكومة، ودخل حيز التنفيذ ابتداء من شهر أكتوبر 2016.

صحيح أنه من الصعب الجزم بأن القانون المالي للسنة المقبلة سوف يستجيب للانتظارات الملحة والاكراهات الكبرى التي تواجهها المملكة، خصوصا ما يرتبط منها بالوضعية الصعبة التي تعيشها فئة عريضة من الشباب، وما من شك أنه خلال المناقشة التفصيلية لمشروع قانون المالية لسنة 2019، سوف يتم الكشف عن العديد من الثغرات والنواقص التي يتضمنها، لكن المؤكد هو أن الحكومة مدعوة اليوم، للإجابة على سؤال المجتمع، وإبداع وصفة ناجعة قادرة على إخراج الاقتصاد الوطني من وضعه المتأزم، وتجاوز حالة الركود التي تمر منها معظم القطاعات الاقتصادية، وإيجاد حلول عاجلة لتحفيز المقاولات الصغيرة، ووضع الآليات الكفيلة بتنشيط إنتاجيتها. باختصار شديد نحن في حاجة لإخراج ميزانية الدولة، من دوامة الارتباط بتقلبات أسعار البترول دوليا، وانتظار التساقطات المطرية كل شتاء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.