احدث المقالات
الرئيسية > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الأحمر: خطاب قوي لنخبة سياسية ضعيفة أغلبية حكومية معارضة، وفشل في تدبير الأزمة

الخط الأحمر: خطاب قوي لنخبة سياسية ضعيفة أغلبية حكومية معارضة، وفشل في تدبير الأزمة

زهر الدين طيبي: يمكن اعتبار الخطاب الأخير الذي ألقاه جلالة الملك، أمام أعضاء غرفتي البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة، استمرارا للجيل الجديد من الخطب الملكية التي تبادر بوضع التوجيهات الكبرى، وتحدد سقفا زمنيا لإنجازها، وتتابعها عن كتب.

الخطاب الملكي الموجه لنواب الأمة، ركز على التدابير التي أشارت إليها الخطب الملكية السابقة، خاصة خطابي العرش و20 غشت الأخيرين، وأعاد التذكير بالتدابير الاجتماعية التي لا تقبل الانتظار، من قبيل التربية والتعليم والصحة والتكوين المهني والتشغيل. كما أن الخطاب جاء بإضافات نوعية تخص المجال القروي عبر الاهتمام به في أفق خلق طبقة متوسطة للفلاحين، ودعا جلالة الملك إلى الرفع من الدعم العمومي للأحزاب وربطه بتخصيص جزء من هذا الدعم للكفاءات التي توظفها الأحزاب، وتشتغل على التحليل والتفكير والابتكار، وهي دعوة لخلق مراكز حزبية للتفكير والتحليل والإبداع، يمكنها أن تحرك الأحزاب المنغلقة على نفسها، والتي فشلت في تجديد دمائها كما فشلت في استقطاب النخب والكفاءات، وهو ما جعلها عاجزة على خلق البدائل المجتمعية المنتظرة والتي يمكنها أن تقدم إجابات لمطالب المواطنين عبر تحويلها لسياسات عمومية، ولعل هذه الخطوة تكون مبادرة لإعادة الثقة في الأحزاب حتى تقوم بدور الوسيط الفعلي والحقيقي في المجتمع بين المواطنين ومؤسسات الدولة.

باختصار شديد، جدد ملك البلاد الدعوة إلى الحد من الفوارق الاجتماعية عبر ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺘﻨﻤﻮﻱ ﺍﻟﻮﻃﻨﻲ، ﻭﺑﻠﻮﺭﺓ ﻣﻨﻈﻮﺭ ﺟﺪﻳﺪ، ﻳﺴﺘﺠﻴﺐ ﻟﺤﺎﺟﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ، ﻭﻗﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻮﺍﺭﻕ ﻭﺍﻟﺘﻔﺎﻭﺗﺎﺕ، ﻭﻋﻠﻰ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺠﺎﻟﻴﺔ ﻭﻣﻮﺍﻛﺒﺔ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭﺍﺕ ﺍﻟﻮﻃﻨﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ، حيث قرر ﺗﻜﻠﻴﻒ ﻟﺠﻨﺔ ﺧﺎﺻﺔ، ﻣﻬﻤﺘﻬﺎ ﺗﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﻤﺴﺎﻫﻤﺎﺕ، ﻭﺗﺮﺗﻴﺒﻬﺎ ﻭﻫﻴﻜﻠﺘﻬﺎ، ﻭﺑﻠﻮﺭﺓ ﺧﻼﺻﺎﺗﻬﺎ، ﻓﻲ ﺇﻃﺎﺭ ﻣﻨﻈﻮﺭ ﺍﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻲ ﺷﺎﻣﻞ ﻭﻣﻨﺪﻣﺞ؛ وحدد لها مهلة ثلاثة أشهر للقيام بهذه المهمة. كما أكد على المساواة أمام القانون فيما يرتبط بالتجنيد، عندما تطرق إلى مشروع قانون الخدمة العسكرية، الذي سيناقشه البرلمان، مؤكدا أن “الخدمة العسكرية تقوي روح الانتماء للوطن، كما تمكن من الحصول على تكوين وتدريب يفتح فرص الاندماج المهني والاجتماعي أمام المجندين الذين يبرزون مؤهلاتهم، وروح المسؤولية والالتزام”. لقد أكد الخطاب الملكي على أن جميع المغاربة المعنيين، دون استثناء، سواسية في أداء الخدمة العسكرية، بمختلف فئاتهم وانتماءاتهم الاجتماعية وشواهدهم ومستوياتهم التعليمية. لقد ختم جلالة الملك خطابه بالتأكيد على أن المغرب يحتاج، اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى وطنيين حقيقيين، دافعهم الغيرة على مصالح الوطن والمواطنين، وهمهم توحيد المغاربة بدل تفريقهم؛ وإلى رجال دولة صادقين يتحملون المسؤولية بكل التزام ونكران ذات. ترى هل تتوفر هذه الشروط اليوم في الفاعلين السياسيين ونواب الأمة؟ مقاطع الفيديو المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي، وصور بعض البرلمانيين وهم يتهافتون على حلويات حفل افتتاح السنة التشريعية، تلخص الجواب.

صورتان تعكسان وضع النخبة السياسية لتي تدبر الشأن العام، الأولى هي تصويت الأغلبية لرئيس من المعارضة في مجلس المستشارين، والثانية هي فاجعة قطار بوقنادل، والصورة الباهتة للحكومة.

بالنسبة للموقف الأول نتساءل، كيف يمكن قراءة تصويت جل مكونات الأغلبية على مرشح الأصالة والمعاصرة بدل مرشح حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي للأغلبية؟ هل هو عبث سياسي أم حسابات مستقبلية؟ ولماذا تراجع حزب الاستقلال عن تقديم مرشح منافس لبنشماس رغم الإعلان المسبق بدعمه من قبل العدالة والتنمية؟

زوال الإثنين الماضي، ومباشرة بعد افتتاح السنة التشريعية، تمكن حكيم بنشماس، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، من الاحتفاظ بمنصبه رئيسا لمجلس المستشارين، للنصف الثاني من الولاية التشريعية، بعد هزم منافسه عن حزب العدالة والتنمية، نبيل شيخي. وحظي بنشماس بدعم أربعة فرق من الأغلبية الحكومية، تمثل التجمعيين، والحركيين، والاتحاديين، والاتحاد الدستوري، بالإضافة إلى فريق الاتحاد العام لمقاولات المغرب، وحصل على 63 صوتا، فيما لم يحصل نبيل شيخي عن حزب العدالة التنمية سوى على 19 صوتا، بينهم 15 لفريقه البرلماني، وصوتان للتقدم والاشتراكية، وصوتان يجهل مصدرهما.

بالرغم من عدم اتفاق الأغلبية على تقديم مرشح مشترك لرئاسة مجلس المستشارين يمكن القول إن تصويت جل مكونات الأغلبية على مرشح المعارضة بدل مرشح ينتمي لحزب من الأغلبية، هو عمل لا ينسجم مع الأخلاق السياسية داخل أية أغلبية حكومية، كما أنه يسائل ميثاق الأغلبية والانسجام الحكومي. في جميع الأحوال، لم يسبق للأغلبية الحالية أن اتفقت على مرشح واحد، لا على مستوى مجلس النواب، ولا على مستوى مجلس المستشارين، والكل يتذكر كيف تم التصويت على الحبيب المالكي من الاتحاد الاشتراكي في غياب العدالة والتنمية، وحتى قبل أن يتم تشكيل الأغلبية الحكومية الحالية، وقد لا نجانب الصواب إذا قلنا بأن الأغلبية الحقيقية هي التي صوتت لفائدة رئيس مجلس المستشارين الحالي، وقبله لفائدة رئيس مجلس النواب.

طبعا، في السياسة ليس هناك عدو دائم، ولا صديق دائم ولكن مصلحة دائمة، في هذا السياق يبدو وضع حزب الاستقلال، الذي خسر مرشحه منصب رئيس مجلس المستشارين منذ 3 سنوات بفارق صوت واحد، وكان بإمكانه الفوز بسهولة هذه المرة، إلا أن الحزب تراجع وسحب مرشحه، لغرض يدركه جيدا، وهو استشراف الانتخابات المقبلة التي يجب أن يكون المهزوم الأول فيها هو حزب العدالة والتنمية. هناك اصطفاف متجدد مع وافد جديد هو حزب الاستقلال الذي التحق بركب الأغلبية الحقيقية التي يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار، هناك تبادل الأدوار والمصالح، انسحاب الأصالة والمعاصرة من منافسة الأحرار في الانتخابات الجزئية بتطوان، التحضير لاستمرار المالكي رئيسا لمجلس النواب للنصف الثاني من الولاية العاشرة في الربيع المقبل، والأهم من هذا وذاك استغلال خزان الأصالة والمعاصرة الانتخابي لصالح التجمع الوطني للأحرار في الانتخابات البرلمانية المقبلة، ما دام قانون الأحزاب يمنع تغيير البرلمانيين للونهم السياسي.

إذن، هناك وضع محرج لأحزاب الأغلبية نعم، قد يبدو الأمر عبثا سياسيا، نعم، ولكننا نحن نعيش معالم رسم خريطة جديدة للمشهد السياسي المغربي من الآن، حتى لا يتكرر سيناريو فشل الأصالة والمعاصرة في مواجهة العدالة والتنمية في انتخابات 2016 البرلمانية.

الصورة الثانية تعكس ضعف الحكومة في تدبير الأزمات، وتجعلها نتساءل لماذا لم تحسن الحكومة تدبير أزمة الحادث المفجع للقطار ببوقنادل؟ لماذا تأخر المكتب الوطني في إعطاء توضيحات حلول أسباب انحراف القطار؟ ولماذا لا يقدم الوزير المسؤول عن القطاع استقالته، على الأقل من باب المسؤولية السياسية؟ ألا تسيء المقاطع التي تم نشرها في مواقع التواصل لصورة الوطن؟

كان جلالة الملك أول المتضامنين مع الأسر المكلومة، حيث أعطى تعليماته لكل من وزير الداخلية ووزير التجهيز والنقل واللوجستيك والماء للانتقال إلى مكان الحادث، من أجل السهر على عملية نقل المصابين إلى المستشفى العسكري محمد الخامس بالرباط لتلقي العلاجات الضرورية. وقال بلاغ للديوان الملكي صدر في نفس يوم الحادث إنه على إثر الحادث المفجع لانحراف قطار يربط بين الرباط والقنيطرة، على مستوى منطقة بوقنادل، والذي خلف عددا من الضحايا والمصابين، أصدر جلالة الملك تعليماته لكل من وزير الداخلية ووزير التجهيز والنقل واللوجستيك والماء، اللذين انتقلا إلى مكان الحادث، قصد نقل المصابين لتلقي العلاج اللازم بالمستشفى العسكري محمد الخامس بالرباط. ومشاطرة من جلالة الملك لأسر الضحايا آلامها في هذا المصاب الجلل، وتخفيفا لما ألم بها من رزء فادح، لا راد لقضاء الله فيه، فقد قرر جلالته، التكفل شخصيا بلوازم دفن الضحايا، ومآتم عزائهم، وأفاد بلاغ الديوان الملكي أنه قد تم فتح تحقيق بهدف تحديد الأسباب والحيثيات المتعلقة بهذا الحادث”.

صحيح أنه يجب انتظار نتائج البحث القضائي الذي أعلن عنه الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط من أجل استجلاء ظروف وأسباب الحادثة التي أدت إلى انحراف القطار المكوكي رقم 9 الرابط بين مدينتي الرباط والقنيطرة في منطقة بوقنادل، ولكن قبل المسؤولية القانونية، هناك المسؤولية السياسية للوزير والمدير العام، وهناك مسؤولية حسن تدبير الأزمة، سواء ما يرتبط بنقل المصابين وتقديم الإسعافات الأولية والضرورية في الوقت المناسب، أو عبر خلايا لمؤازرة المصابين والأسر المنكوبة نفسيا، والتكفل بهم والتواصل الجيد معهم، أو ما يتعلق بحماية الركاب من السرقات والنهب الذي كانوا عرضة له، وتوفير ظروف نقلهم مع باقي زبناء المكتب الوطني للسكك الحديدية.

أيها السادة، إننا نسوق صورة الوطن، فلنحافظ عليها. نحن جميعا يجب أن نتحمل المسؤولية، كل من زاويته، الوزير مسؤول سياسيا، والمدير هو المسؤول المباشر إداريا وماليا، والخطأ التقني يجب تحديد المسؤولين عنه بالبحث القضائي، ومحاسبتهم. هذا هو المفهوم الحقيقي لربط المسؤولية بالمحاسبة، ولكن الأفظع هو غياب روح المواطنة بكل خلفياتها وتداعياتها، وأيضا تجلياتها في حادث مأساوي كهذا، خاصة عندما تتم سرقة ممتلكات الموتى والمصابين.

آخر الكلام، نتمنى ألا ننتظر طويلا، الإعلان عن أسباب الحادث وترتيب المسؤوليات. تغمد الله موتى الحادث بواسع رحمته، وبالشفاء العاجل للمصابين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*