احدث المقالات
الرئيسية > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: أين الحلوى؟ أين النخب؟

الافتتاحية: أين الحلوى؟ أين النخب؟

بقلم: عبد المنعم سبعي

 

أعادت قضية حلوى البرلمان وتهافت النواب عليها أكلا وحملا وتنقيلا، موضوع النخب السياسية إلى الواجهة، فكثير من عقلاء المغرب يتساءلون أين اختفت النخبة المغربية الوازنة والفاعلة.. ففي مناسبات كثيرة لا ترى تلك الوجوه المشهود لها بالباع الطويل من أصحاب الفكر والمبدعين وذوي الهمم العالية، قد يكون الموت غيب أسماء كثيرة ولكن حتى من بقى من الأحياء انزووا إلى ركن سحيق وفضلوا الغياب عن الحضور والمشاركة. إن غياب النخبة الوازنة أصبح حقيقة ملموسة وواضحة في حياة المغاربة ولو أردنا الوقوف على أسباب هذا الغياب فسوف نسمع أكثر من إجابة، فهل المناخ الحزبي هو الذي حجب هذه الأسماء بدعوى عدم قدرتهم على حصد الأصوات في المحطات الانتخابية؟ أم هو الإحساس بخيبة الأمل الذي أضطر أسماء كثيرة أن تنسحب من هذا الصخب وتنأى بنفسها عن المساهمة في الكوارث السياسية ؟ أم هو التجاهل الذي شعر معه البعض بأنهم غير مرغوب فيهم ولا مكان لهم في مجال يشبه عالم الذئاب. مهما كانت قوة أية فرضية  فالنتيجة في كل الحالات هي صدق حالة الغياب التي يشهدها المناخ السياسي والفكري والثقافي في المغرب.

إن تجربة الأحزاب السياسية في المغرب لم تتجاوز حدود ما وصلت إليه قبل دستور 2011، فلم يحدث تغيير واضح في ظهور أحزاب جديدة بل إن الأحزاب القديمة تهاوت وبدأت رحلة تراجع شهدها الجميع من حيث الدور والأطر والقيادات والتواجد في الشارع المغربي بسبب انقسامات حادة بين رموز النخبة في البحث عن ادوار ومصالح، أو تصفية بعضها في معارك شوهت كل شيء.. قد نتذكر الحرب بين حزب المصباح وكل من الأصالة والمعاصرة، والاستقلال في مرحلة من المراحل، وبين الأحرار مؤخرا.. ونتذكر معها نماذج من السفاسف والترهات، ورموزا للشعبوية والانحطاط.

مجمعون على أن النخبة السياسية المغربية تتحمل الكثير من مسؤولية الفوضى التي شوهت الواقع السياسي المغربي، ما بين ادوار بطولية مزيفة أو وجوه عادت تتصدر المشهد رغم تاريخها المشوه والقبيح سواء من حيث المسار أو التشكل السياسيين أو من حيث الاغتناء الفاحش المعتمد على الاتجار في المحرمات والارتشاء والفساد بكل تجلياته، وجدت هذه النخب من يمهد لها الطريق ويفتح لها الأبواب.. لقد انقسمت النخبة عندنا طرائق قددا وشكلت مدارس مختلفة، مدرسة قديمة استطاعت أن تسطو على بعض المواقع بحكم خبراتها القديمة في التسلق والنفاق، ومدرسة ثانية تجيد لعبة التلون الحربائي أمام ساحات مفتوحة، وهناك مدرسة ثالثة فضلت الانسحاب والبعد حين اكتشفت انه لا دور لها وسط هذه المزاحمات .. كان انقسام النخبة على هذه المدارس اكبر أخطائها، بعد أن فرطت في دورها الرقابي والتأطيري وتحولت إلى ميليشات تكمن الواحدة للأخرى، وتصفى بعضها بعضا.

كنا نحلم كثيرا أن يتم اللقاء بين رموز النخبة المغربية وشبابها، ولكن الشباب انسحب والنخبة غابت وبقى الشارع المغربي يعانى فراغا سياسيا مخيفا طوال السنوات الأخيرة. قد يكون السؤال: وهل غياب الأحزاب يعنى بالضرورة غياب النخبة خاصة أن المغرب لم يشهد أحزابا حقيقية منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وأن الحياة السياسية في المغرب قد خلت تماما من هذا المناخ وهذه التجارب التي تتعلم منها الشعوب بعض الممارسة الحقيقية للديمقراطية.. إن غياب النخبة لم يكن جديدا هذه المرة، لقد غابت قبل ذلك كثيرا بل إنها انقسمت على نفسها مرات ومرات لإرضاء السلطة أو مباركة زعيم على هرم الحزب، فما هو الجديد في هذا الانسحاب.. إن الجديد أن النخبة قد انسحبت عن قناعة بأنه لا دور لها أو أن هذا الدور ليس مطلوبا أو مرغوبا فيه .. لقد لجأت النخبة إلى تهميش نفسها حتى لا تضطر أن تنسحب على غير رغبتها..

للحقيقة لم تكن الأحزاب السياسية هي نقطة الضعف الوحيدة أمام المناخ السياسي المغربي، فغياب الأحزاب جزء من القضية ولكنها ليست كل القضية إلا أنها تمثل سببا من أسباب الفراغ السياسي في الشارع المغربي وانسحاب الرأي الآخر ولكن هناك أسباب أخرى أراها أكثر أهمية، وهي أن الحكومات المتعاقبة خلال لم تتمكن من الوصول إلى لغة للتفاهم والحوار مع شبابها، وهذه القطيعة تمثل حتى الآن منطقة فراغ لا احد يعلم من يملأ هذا الفراغ.. إن الحوار على الساحة المغربية ليس في السياسة فقط ولكن في قضايا أخرى مثل الإصلاح الاقتصادي والتعليم ودور المغرب الثقافي الذي تراجع تماما، فهذه القضايا لم نتفق على شيء منها ومازالت تمثل حيرة وعلامات استفهام أمام شباب المستقبل.. ثم إن الإعلام المغربي فاقد للهوية ولا نستطيع الآن أن نحدد اتجاها واضحا أمام حالة من التخبط والارتجال التي أصابت جميع مؤسساتنا الإعلامية بيعا وشراء وأهدافا..

أعود من حيث بدأت وأطرح السؤال .. هل غياب النخبة كان انسحابا أم ضرورة؟ وإذا كان انسحابا فما هي أسبابه حتى تعود إلى دورها فى الساحة مرة أخرى؟ وإذا كان الغياب ضرورة فلا بد أن نراجع أنفسنا لتعود النخبة إلى دورها ومسؤولياتها.. إن الأحزاب السياسية جزء من الأزمة ولكنها أزمة قديمة ليست وليدة عام أو أعوام أو حكومة إنها تراث عشرات السنين حين سيطرت على الشارع المغربي  فكرة شراء الأصوات وتحويل المقرات الحزبية إلى دكاكين انتخابية.. فلا بد أن تفتح الدولة فكرها لتجارب حزبية حقيقيةن لأن العالم تغير وما كان مقبولا في زمان مضى لا وقت له الآن .. إن العالم هذه القرية الصغيرة أصبح من الصعب جدا أن نسجن فيه الأفكار والأحلام والرؤى ولهذا لا بد أن تعود النخبة المغربية إلى دورها في تنوير الرأي العام بالآراء البناءة وطرح البدائل التنموية والانخراط في الدفع بالشباب للمصالحة مع السياسة وظهور قيادات شبابية واعدة..

إن شباب المغرب هم ثروته الحقيقية والتجارب الحزبية الحقيقية هي التي تكشف قدرات الشباب وتجعلهم عناصر مؤثرة في بناء المستقبل.. إن الشباب لا بد أن ينزل إلى الحياة ويختبر مواهبه وقدراته ويحصل على عائد تميزه وتفرده وانطلاقه لأن القوالب القديمة لم تعد تصلح لمواجهة زمن جديد. فاستنساخ تجارب الماضي لا تصلح الآن أمام شباب تغيرت ثوابت كثيرة في حياته وسلوكه ورؤاه وإذا كان البعض يسعى إلى إعادة تجارب سابقة فهذا كمن يصب الماء على الرمل.

إن ادوار النخبة ليست تكليفات أو مطالب وقرارات ولكنها مسؤوليات تاريخية تجاه أوطانها ولا يوجد سبب واحد يبرر الانسحاب أو الغياب مهما كانت الأسباب قاهرة، ولهذا ينبغي أن تعود النخبة المغربية إلى تماسكها وإدراكها لحجم مسؤوليتها لأن الغياب أو التهميش أو الانسحاب لن يفيد في المستقبل القريب أو البعيد. فالمغرب الآن في حاجة إلى عقول أبنائه كل أبنائه حتى تعود الثقة للشباب في الاحزاب،  والثقة لا تستعاد بجرة قلم.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*