احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الاحمر:ثلاثة عناوين من تراجيديا أزمتنا المجتمعية

الخط الاحمر:ثلاثة عناوين من تراجيديا أزمتنا المجتمعية

زهرالدين طيبي: تعددت الأزمات والنتيجة واحدة، حكومة فاشلة في تحويل مطالب المجتمع إلى سياسات عمومية، تجعلنا نفقد كل مرة شبابا في مقتبل العمر، ونخب حزبية لا تتجدد، حيث الزعيم يعمر لأكثر من ثلاثة عقود ونيف، ويغير القوانين ويفصلها على مقاسه، ونخب أمية تقتات أصواتها في سوق النخاسة الانتخابية، وتصلح لكل شيء إلا لتدبير الشأن العام المحلي والجهوي، في ظل تنزيل ميثاق اللاتمركز المرتقب نهاية الشهر الجاري. وما بين موت شاب مكفوف لقي حتفه نتيجة لامبالاة الوزيرة والحكومة، وبين زعيم يوجد على رأس حزبه منذ 1986 دون انقطاع ودون فسح المجال للقيادات الشابة، هناك مشروع اللاتمركز الإداري، المحكوم بالفشل في غياب تأهيل الجهات، واستمرار نفس النخب الفاشلة في تدبير الشأن العام المحلي، هي ثلاث وقفات تعكس تراجيديا أزمتنا المغربية المزمنة.

-1-

هل يكفي العزاء في وفاة شاب ضرير؟

طالب أعضاء التنسيقية الوطنية للمكفوفين المعطلين من حاملي الشهادات، الدولة بفتح تحقيق في وفاة زميلهم، بعد سقوطه من على سطح بناية وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية بعد أيام من اعتصامهم فيها. وأكد المكفوفون أنهم يحملون المسؤولية الكاملة في هذه الحادثة للوزيرة بسيمة الحقاوي الوصية على القطاع، مجددين تمسكهم بمطالبهم في التشغيل من خلال الإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية، كما عبروا عن رفضهم للبيان الذي أصدرته الوزيرة الحقاوي معتبرين أنه يذر الرماد في العيون، وأنها مسؤولة رفقة وزارة الداخلية عن وفاة زميلهم.

من جانبها، نعت وزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية، في بلاغ لها واقعة وفاة شخص مكفوف مساء الأحد الماضي، بعد سقوطه من سطح بناية الوزارة المذكورة. لكن هل يكفي نعي شبابنا العاطل كل مرة؟ ومن يتحمل مسؤولية مقتل هذا الشاب، ومسؤولية هذا الوضع؟ هل من الضروري أن تقتات الأحزاب عبر تصفية حساباتها السياسية الصغيرة على حساب أرواح الشباب والمواطنين وكرامتهم؟

المؤكد أنه لا يجب أن نتعامل مع هذه الواقعة المؤلمة على أنها حادثة سقوط عرضي فقط، وبدون مقدمات، يمكننا الجزم بأن مسؤولية مقتل هذا الشاب المعطل المكفوف مشتركة، لا تتحملها الوزيرة المشرفة على القطاع لوحدها، بل تتحملها الحكومة برمتها، ومعها حتى الحكومات السابقة، لأنها عجزت عن إيجاد بدائل كفيلة بخلق الثروة وتوفير مناصب الشغل للشباب حاملي الشهادات أولا، ولأنها فشلت ثانيا في تطبيق القانون الذي ينص على منح نسبة 7 من المناصب المالية للمكفوفين، وهو الأمر الذي أدى إلى تراكم عدد المعطلين بشكل عام، والمعطلين من ذوي الاحتياجات الخاصة، بشكل خاص، وجعلهم يبدعون في الأشكال النضالية منذ 1999 وإلى اليوم، للمطالبة بحقهم في الشغل والحياة الكريمة.

هل نحن بحاجة كل مرة لعناوين جديدة من تراجيديا موت شبابنا المغربي أمام لا مبالاة الوزراء وصناع القرار؟ بماذا سيفيدنا النعي والعزاء، وهل نحن بحاجة لركوب أحزاب المعارضة على أحزاننا ومآسي شبابنا الحامل للشهادات، كي تصفي حساباتها مع الأغلبية؟ ثم دعونا نتساءل، لماذا فشلت وزيرة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية في التواصل مع المكفوفين؟ ألا تتحمل الوزيرة مسؤولية ترك مكفوفين أكثر من أسبوع على سطح بناية أو عمارة وهم معرضون في أي لحظة لمخاطر السقوط بسبب الإعاقة التي لديهم؟

حتما نحن في حاجة لكثير من الجرأة لتحديد المسؤولية السياسية التي كانت وراء هذه الحادثة المؤلمة، تغمده الله الفقيد بواسع رحمته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

-2-

لا مجال لتشبيب النخب مع الزعيم الخالد

 

كيف يمكن الحديث عن تشبيب النخب في ظل زعامات خالدة؟ لماذا لم تستوعب الأحزاب الإشارات التي تضمنها خطاب العرش؟ كيف يمكن أن تقدم الأحزاب المغربية بزعمائها الخالدين إجابات مجتمعية شافية عن أسئلة الوضع الذي يعيشه المغرب؟ وإلى متى يتم اقتران التنظيم الحزبي بأسماء بعينها؟

نجح الأمين العام لحزب النبيلة في تعويض نفسه للمرة التاسعة على رأس الحزب، وفي إطار الضحك على الذقون، أعلن امحند العنصر، في نهاية ندوة صحافية عقدتها اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني لحزبه الحركة الشعبية، نهاية الشهر الماضي في الرباط، أنه سيقدم ترشيحه للأمانة العامة للحزب، نعم أيها السادة، هو إعلان ترشح لولاية تاسعة جديدة خلال المؤتمر الوطني الـ13 للحركة الشعبية، وكان الأمين العام لحزب السنبلة قد قال في فبراير الماضي، إنه لن يترشح نهائياً لولاية جديدة على رأس الحركة الشعبية، ولو تم تغيير القانون الداخلي أو تعديله على مقاسه للخلود في مقعده، معللاً ذلك بالقول: “الحركة تتوفر اليوم على طاقات كثيرة ويُمكن للحركيين أن يجدوا بسهولة بديلاً عني”؛ بل إنه رفض حتى تسيير الحزب لفترة مؤقتة إلى حين التوافق على زعيم جديد. لكن يبدو أن الزعيم غير رأيه، وخالف وعده، بتبريرات لا يقبلها المنطق، حيث برر موقفه الجديد بالقول إنه “رغم أني قبل سبعة أشهر أعلنت أنني لا أريد أن أترشح، وقناعتي مازال هي هاديك أنني ما نترشحش، لكن ما وقع في الأشهر الأخيرة أن عدد من الإخوان في الأقاليم والهياكل يلحون أن أتقدم بترشيحي” سبحان مغير الأحوال، وكأن الحزب المشارك في الحكومة لأكثر من أربعة عقود، لم يستطع إيجاد بديل للزعيم الخالد على رأس الحزب منذ 1986، وكأن رحم النساء الحركيات عجز عن إنجاب نخب شابة قادرة على تعويضه.

لا نريد أن نتدخل في الشؤون الداخلية للأحزاب، ولا ان نشكك في نوايا الزعامات، كما لا نريد إغضابها، نحن، فقط نحاول أن نفكر بصوت مسموع في مسألة مصيرية تخص هذا الوطن الذي ننتمي إليه جميعا. لقد حان الوقت لنتساءل أين المؤسسات؟ لقد حان الوقت لتدرك كل الأحزاب السياسية، أنه إذا فشلت القيادات التي تزعم أنها “تاريخية” في مهامها التأطيرية كي تستجيب لتطلعات المواطن، فمن حق هذا الاخير ان يفرز قيادات بديلة، وعلى زعماء الأحزاب أن يدركوا اليوم أن القائد الحقيقي، ليس هو القادر على انتاج أتباع كثيرين، بل هو الذي يساعد على ظهور قيادات جديدة، لأننا مللنا ترديد الأسطوانة المشروخة التي لا تهتم لا بالإسم، ولا بالسن، ولا بالإنجازات بقدر ما تكرس زعامات أبدية، ووزراء مدى الحياة في كل الحكومات. ألم يعد رحم الأمهات المغربيات قادرا على إنجاب قيادات جديدة، ونخب بمستوى المرحلة؟

 

-3-

نخب أمية وميثاق لا تمركز مع وقف التنفيذ

لقد أكد جلالة الملك على ضرورة إصدار ميثاق اللاتمركز الإداري، داخل أجل لا يتعدى نهاية أكتوبر الجاري، بما يتيح للمسؤولين المحليين، اتخاذ القرارات، وتنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، في انسجام وتكامل مع الجهوية المتقدمة. وبعدما تطرق ملك البلاد في أكثر من خطاب لضرورة تفعيل اللاتمركز الإداري، كورش ضروري ومستعجل لمواكبة الجهوية المتقدمة التي شرع المغرب في تطبيقها بعد الانتخابات الجماعية لسنة 2015، يبدو أن الحكومة تتجه لتنزيل هذا الورش مع نهاية الشهر الجاري، لكن هل نجحت الحكومة في تأهيل الإدارات الجهوية للقيام بدورها الجديد، وفي رفع التنسيق فيما بينها في مجال السياسات العمومية؟ ومن جانب آخر، كيف يمكن للمغرب أن يراهن على الجهوية المتقدمة بمنتخبين لم يلجوا قط المدارس؟ وكيف يمكن الحديث عن اللامركزية والا تمركز في ظل تدبير الشأن المحلي من طرف منتخبين أميين؟ هل يعقل أن يكون لدينا في المغرب في عصر الرقمنة وتقنيات الاتصال الحديثة 4739 منتخبا من أصل 30 ألف بالجماعات الترابية لم يلجوا المدارس في حياتهم؟

المؤكد أن من بين أهداف مشروع ميثاق اللاتمركز الإداري، يوجد تنسيق تدخل الدولة على المستوى الجهوي والترابي، من خلال تمكين المصالح اللاممركزة الجهوية من جملة من الاختصاصات تتمثل في المساهمة في إعداد “برنامج عمل” الدولة على المستوى الجهوي، وتنزيل أنشطة المصالح اللاممركزة على مستوى العمالات والأقاليم، ومواكبة الجماعات الترابية في إعداد برنامج التنمية الجهوية والتصميم الجهوي لإعداد التراب، ويتم كل هذا بتكامل وانسجام مع برنامج عمل الدولة على المستوى الجهوي، وتدعيم علاقات الشراكة بين الدولة والجماعات الترابية.

المعطيات الرسمية لوزارة الداخلية حول اللامركزية في المملكة، والتي تخص التعليم في الجماعات المحلية تؤكد ارتفاع نسبة الأمية في صفوف المنتخبين بما مجموعه 53 مستشارا على مستوى العمالات والأقاليم، من أصل 1563، في حين بلغ عدد المستشارين الأميين بجهات المغرب الـ12 سبعة، من بين 678 مستشارا. وسجلت المعطيات ذاتها أن عدد المستشارين الذي لم يتجاوز مستواهم الدراسي الابتدائي يصل إلى 8792 مستشارا في الجماعات، و212 في العمالات والأقاليم، و44 في مجالس الجهات، بينما الذين بلغوا التعليم العالي يصل عددهم إلى 7871 مستشارا بالجماعات، و637 بالعمالات والأقاليم، و460 على مستوى الجهات. إذا أضفنا إلى هذه المعطيات الصادمة تلك التي كشفها رئيس مجلس النواب، الحبيب المالكي، في وقت سابق، بخصوص تعليم النواب، حيث أكد أن بعض نواب الأمة بدون مستوى دراسي، وبأن حوالي 100 نائب برلماني لا يتوفرون على الباكالوريا، فلنا أن نتصور مستوى أداء الجماعات الترابية والأداء البرلماني بهذه التشكيلة.

ما من شك، أننا نسير بسرعتين في المغرب، سرعة المؤسسة الملكية الفائقة التي تراهن على الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقريب الخدمات من المواطنين وتجويدها، وسرعة السلحفاة عند بعض المسؤولين على المستوى المركزي، وطبيعة المنتخبين الذين يدبرون الشأن المحلي والجهوي عل المستوى اللامركزي.

في جميع الأحوال، وفي ظل هذه المعطيات، من الصعب انتظار المعجزات من هيئاتنا المنتخبة، سواء على مستوى البرلمان أو على مستوى الجهات والجماعات الترابية، باعتبار أن بعض المنتخبين قد يصلحون لكل شيء إلا لتدبير الشأن العام بالطريقة المطلوبة.

آخر الكلام للحكومة والمسؤولين والمنتخبين، لا تطلبوا منا تجميل صوركم، وأنتم عاجزون عن تقديم أية بدائل حقيقية لخلق الثروة، وتوفير فرص الشغل للشباب وتجويد الخدمات الصحية والتربوية للمواطنين. كيف لنا أن نستورد الأمل من بؤس خطاباتكم الخشبية؟ وقليل من الحزن يكفي!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.