احدث المقالات
الرئيسية > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الأحمر:التجاذب السياسي بين المصباح والكتاب أبطال من زجاج، وصدام على الورق

الخط الأحمر:التجاذب السياسي بين المصباح والكتاب أبطال من زجاج، وصدام على الورق

زهر الدين طيبي: يتجه حزب التقدم والاشتراكية إلى طَيّ صفحة التجاذب السياسي مع حزب العدالة والتنمية، ويصبح قرار الانسحاب من الحكومة، الذي ظل يهدد به حزب التقدم والاشتراكية دون أن ينفذه، مجرد كلام بلاغات سياسية وزوبعة في فنجان الاستهلاك الإعلامي. لم يكن من الصعب التأكيد مسبقا ومنذ اندلاع الأزمة التي خلفها حذف كتابة الدولة المكلفة بالماء من الهيكلة الحكومية، أن حزب التقدم والاشتراكية سوف يستمر في التحالف، وكان يحاول فقط ربح الوقت وامتصاص الغضب الداخلي لبعض الأصوات، والضغط بإلقاء الكرة في مرمى برلمان الحزب، لأنه يدرك جيدا بأن مصيره في المشهد السياسي، سوف يزداد تعقيدا إن هو خرج من الحكومة.
المؤكد أن جدلا كبيرا رافق تصدع العلاقة بين حزبي العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية، على خلفية حذف كتابة الدولة المكلفة بالماء، حيث أن مناقشة الموضوع وانعكاساته انتقلت إلى الهياكل الحزبية. على مستوى حزب العدالة والتنمية، انتهت الدورة الاستثنائية لمجلسه الوطني المنعقدة في مدينة بوزنيقة، نهاية الأسبوع الماضي، بمحاولة رأب الصدع مع حليفه حزب التقدم والاشتراكية، من خلال تأكيد المجلس الوطني على “ضرورة مواصلة التحالف معه” بعد أزمة حذف حقيبة كتابة الدولة المكلفة بالماء، من دون مشاورة أو أخذ رأي الحزب التقدمي في ذلك، وانهالت عبارات المديح من قياديين في حزب العدالة والتنمية على التقدم والاشتراكية، “الحليف الغاضب” من قرار رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، الذي قال في الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، إن حزبه متمسك بتحالفه مع حزب التقدم والاشتراكية، وإن “اختلاف وجهات النظر لا يعني بتاتا أننا سنتخلى عن شراكتنا”. ووصف رئيس الحكومة والأمين العام لـ”العدالة والتنمية”، حزب التقدم والاشتراكية، بأنه “حزب وطني عريق يمتلك القدرة على اتخاذ الموقف الصائب في لحظات الإصلاح”، قبل أن يردف “نحترم قرارات هذا الحزب، ولنا الثقة في استمرار هذه الشراكة”. من جهته، أعطى عبد الإله بن كيران، رئيس الحكومة السابق، لحزب التقدم والاشتراكية “الحق في الغضب” من حذف حقيبة وزارية من دون استشارته، قبل أن يستدرك “نحن لم نتحالف لنبقى في الحكومة، بل لنساهم في الإصلاح”.
في الطرف الآخر، كان المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، قد لمح بعد حذف كتابة الدولة المكلفة بالماء من الهيكلة الحكومية آنه بصدد مراجعة موقع الحزب في الساحة السياسية بعد الهزات والطعنات التي تلقاها الحزب، وكان آخرها مقترح سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، المرفوع لجلالة الملك والقاضي بحذف كتابة الدولة من هيكلة حكومته. حزب التقدم والاشتراكية المشارك في الحكومة، أبدى عدم تفهمه لمغزى هذا الاقتراح، الصادر عن رئيس الحكومة والذي كان للوزير الوصي على قطاع التجهيز والنقل واللوجستيك والماء مسؤولية مباشرة فيه، حسب بلاغ الحزب، ولم يأخذ أبدا بعين الاعتبار الضوابط السياسية والأخلاقية اللازمة في مجال تدبير التحالفات والعلاقات داخل أي أغلبية حكومية ناضجة، فبالأحرى عندما يتعلق الأمر باحترام العلاقة المتميزة التي تجمع الحزب بحزب رئيس الحكومة. بلاغ المكتب السياسي، اعتبر أيضا، أن رئيس الحكومة الذي تقدم بهذا الاقتراح مطالب بأن يقدم للحزب وللرأي العام الوطني، بشكل شفاف ومقنع، التفسيرات الشافية والأجوبة المقنعة عن تساؤلات عديدة ومشروعة تظل مطروحة بخصوص الطريقة والكيفية التي دبر بهما هذا الموضوع الذي يهم حزب التقدم والاشتراكية مباشرة، وذلك لقطع الطريق على ما أسماه التسريبات الموجهة والادعاءات المغرضة، علما أن حزب التقدم والاشتراكية عرف ما عرفه من صدمات منذ أن اختار المشاركة في الحكومة سنة 2011 إلى جانب العدالة والتنمية.
التقدم والاشتراكية كان قد عقد، قبل أيام، اجتماعا ثانيا، أورد فيه أنه “لم يتم التجاوب مع ما طالب به الحزب من ضرورة تقديم توضيحات شافية ومبررات مقنعة لحذف الحقيبة الوزارية”، قبل أن يؤكد أنه في الدورة المقبلة للجنة المركزية “سوف يتم بلورة موقف واضح بشأن الموقع الذي يتعين على الحزب أن يحتله اليوم في الساحة السياسية الوطنية”.
وعلى هامش انعقاد الدورة الاستثنائية لحزب العدالة والتنمية المنعقدة ببوزنيقة، وفي رده عن سؤال حول تقييمه للوضع الداخلي لحزب العدالة والتنمية قال عبد الإله بنكيران الأمين العام السابق لحزب “العدالة والتنمية” وعضو المجلس الوطني ”الله يخرج العاقبة بسلام”. وقال رئيس الحكومة السابق،” رغم الألم الذي رافق حذف كتابة الدولة المكلفة بالماء، فإن حزب الكتاب لديه من التجربة ما يجعله يمتص هذا الغضب وأن يتجاوزه، كما زاد بنكيران أن زيارة العثماني الأخيرة لبيت بنعبد الله كانت مؤشرا قويا” وعاد بنكيران ليستدرك ويؤكد “أنه يفضل السكوت، لأنه عندما يتكلم تتحفظ بعض القيادات في الحزب، ويقع ارتباك”.
طبعا واقع الأمر يختلف عن البلاغات واللغات السياسية، ولم يكن ضروريا أن يطول الانتظار، حيث كشف اجتماع المكتب السياسي لحزب “التقدم والاشتراكية” بداية الأسبوع الجاري، عن قرار قيادة الحزب تأجيل دورة اللجنة المركزية التي كانت ستكون مفتوحة على جميع القرارات بما فيها مغادرة الحكومة، قصد فتح المجال لمزيد من التشاور بعقد اجتماع جديد لمكتبه السياسي قصد إنهاء الأزمة التي استمرت لأسابيع بين الحليفين. وقال بلاغ للمكتب السياسي للتقدم والاشتراكية إنه سيستكمل تدارس الموضوع، على ضوء هذه المستجدات وكل ما يحيط بها من ملابسات، وأن ذلك يستلزم تأجيل اجتماع دورة اللجنة المركزية للحزب والتي كانت مقررة يوم 22 شتنبر الجاري، إلى تاريخ جديد سيتم الإعلان عنه لاحقا، وبرر الحزب قرار التأجيل بالإحاطة بمختلف العناصر التي ستسمح للجنة المركزية للحزب ببلورة المواقف المناسبة من المرحلة، مشددا على أهمية “تدقيق المهام المطروحة على حزبنا والموقع الذي يتعين أن يحتله في الساحة السياسية الوطنية”.
إنها لغة البيانات الموجهة للاستهلاك الإعلامي. قد يكون للزيارة التي قام بها وفد من الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية للأمين العام لحزب الكتاب، وما عبر عنه بلاغ مجلسه الوطني، من ضرورة استمرار التحالف بين الحزبين وقع مباشر على قيادة حزب التقدم والاشتراكية، ولكنه حتما، ليس السبب الوحيد.
صحيح أن المكتب السياسي للتقدم والاشتراكية رحب ببلاغ المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، الذي أعلن فيه تمسك الحزب بـ”تحالف الإخوان والرفاق”، ونوه بما تم التعبير عنه من قبل قيادة حزب العدالة والتنمية من تشبث بالعمل المشترك مع “حزب الكتاب”، لمواصلة معركة الإصلاح والتصدي لمحاولات النكوص عن المكتسبات، لكنها مجرد الشجرة التي تخفي الغابة، لأن حزب التقدم والاشتراكية قد يصبح وضعه في مهب الريح إن هو خرج من الحكومة، وقد يفقد بعض ما بقي له من مقاعد قليلة في البرلمان.
المؤكد أن مطالب مجلس رئاسة حزب التقدم والاشتراكية، المرفوعة للأمين العام للحزب نبيل بنعبد الله والداعية للانسحاب من الحكومة على خلفية إعفاء شرفات أفيلال من منصبها ككاتبة دولة، وحرب البلاغات والبلاغات المضادة، كانت فقط للاستهلاك الداخلي وربح الوقت لامتصاص الغضب، لأنه كان من الواضح منذ البداية، أن حزب الكتاب لن يستطيع الانسحاب، فهو لم يغادر الحكومة منذ عقدين من الزمن، كما لن يستطيع الاستمرار في المعارضة وهو الذي لا يتوفر حتى على فريق برلماني. الحكاية، وكل ما فيها، مجرد مسرحية سياسية يفتقد فيها الأبطال الكثير من الجرأة للانسحاب من صالونات الحكومة وامتيازات المناصب العليا. خلاصة التجاذب السياسي بين المصباح والكتاب، تختزل في مسرحية عنوانها “أبطال من زجاج، وصدام على الورق”. وكثير من البؤس السياسي يثير الضحك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*