احدث المقالات
الرئيسية > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: أيها المسؤولون لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم

الافتتاحية: أيها المسؤولون لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم

بقلم عبد المنعم سبعي:
شهدت وجدة والجهة الشرقية خلال السنوات الثلاثة الماضية ظروفا صعبة وقاسية، ما بين أحلام التغيير والانطلاق وقيود الارتباك وعدم الاستقرار في المكتب المسير للمجلس الجماعي لوجدة ..
ما بين أمان غاب وحلم في التغيير تراجع، عاش الوجديون تجارب كثيرة في هذه السنوات إلا أن الشيء المؤكد وسط هذا الكم من الإحباطات أن هناك أشياء كثيرة تغيرت في الواقع الوجدي والإنسان الوجدي وفي صورته أمام باقي جهات المغرب .. هناك سلبيات طفحت على وجه الشارع الوجدي فى السلوكيات والأخلاق وهى نتيجة طبيعية للفقر والجهل والتخلف، أشياء تركتها المساحيق الذائبة التي كانت توضع على وجه الاقتصاد المحلي، حين كان يعتقد أن اقتصاد الحدود هو الحل لسكان هذه المناطق الحدودية، وحين وضع المسؤولون على وجه المجتمع قشرة مزيفة من المهرجانات والعلاقات والحلول الكاذبة وإن بقي القاع متخلفا ومريضا .من أكثر المجالات التي كشفت هذا القاع المتخلف المريض، التسيير الجماعي لمدينة وجدة الذي أبان التغيير الأخير في صفوف نواب الرئيس وتعويض بعض التفويضات بأخرى، عن بركة من الفساد كان يعيشها تسيير المدينة، وعن مصائب خطيرة تسببتها السياسة والأحزاب بمباركة السلطة للمواطنين.
المؤكد أن السياسة أضحت فنا يجوز فيه كل شيء، وان شعار السياسة وممارستها أخلاق غائب في سياقنا الوطني لأن سياسيينا استباحوا كل شيء وأجازوا لأنفسهم الحديث في كل شيء وإقحام كل شيء في خطاباتهم السياسية وهدفهم في ذلك زعزعة توازن وقوة خصومهم السياسيين ومحاولة كسب ثقة المغاربة خصوصا وأن الاستحقاقات الانتخابية قد أسفرت عما أسفرت عنه . وكمثال حي على ذلك اجترار هؤلاء السياسيين لشعار « مصلحة الوطن العليا » لتبرير موقف سياسي ما، بغض النظر عن الجدوى منه والنبش في الحياة الخاصة للغير ونهش الأعراض وبالتالي الابتعاد عن هموم وانتظارات المغاربة.
لقد أصبحت لعنة الانقسامات واحدة من أخطر القضايا الخلافية في الشارع المغربي حتى وصلت إلى الأسرة والعمل والفكر والسلوك..أصبح من الصعب جدا أن يتفق الناس على شيء وانتشر الوباء بيننا حتى وصل الى طريق مسدود اختلطت فيه الأوراق والأشياء والرؤى.. أصبح من السهل ان تجد أكثر من تفسير لأشياء ليس لها غير وجه واحد، وأصبح من الصعب أن تجد قياسا لأفكار ومواقف لا تحتمل الصخب والجدل والخلاف.. أوشك المغاربة الآن أن يختلفوا على ظهور الشمس ومواعيد الصلاة والحيرة ما بين ثوابت لم نختلف عليها، وثوابت أخرى استجدت ولا مكان لها في كل الأعراف.. من يتحدث الآن باسم الوطن..هل هم رجال الدين..أم رجال الفكر..أم أهل الفن أم تجار السياسة..إن الفرق كبير جدا بين الوطنية والسياسة فليس كل سياسي بالضرورة وطنيا..وليس من الضروري على كل من احترف السياسة أن يتاجر في الوطن.. الوطن شيء والسياسة شيء آخر.. إن الوطنية تعنى قبل كل شيء الولاء والانتماء والتضحية من اجل الوطن أما السياسة فلها لغة أخرى وحسابات مختلفة تبدأ بالمصالح وتنتهي بالارتزاق وما بين الاثنين يمكن أن تهدد القيم وتفسد الأخلاق..
إن الوطنية لا ترتبط بالنخب سواء كانت سياسية أو فكرية أو دينية لأنها تتجاوز كل هذه الآفاق إن فيها الفكر والدين والسياسة وفيها ما هو أعمق وهو تراب الوطن والأرض التي يعيش عليها الإنسان وهى اكبر وأقدم واعرق الحقائق في تاريخ البشر..والأرض ليست قطعة من تراب إنها الزمن والعمر والحياة والماضي والحاضر والمستقبل..إن الشارع المغربي الآن يكاد أن ينسى أول دروس الوطنية وكنا نتعلمها فى الأسرة والمدرسة والكتاب والمسجد والملعب وحين اختلفنا حول مفهوم الوطن ومعنى الوطنية انقسمت الأسرة على نفسها فهذا سلفي وهذا إخواني وهذا وطني وهذا رجعى..لقد اختفت صورة الوطن بمعناها القديم وبدأت الأشياء تصغر في عيوننا حتى وجدنا أنفسنا ندين بالولاء لفريق أو جماعة أو عصابة أومصلحة..
وفى ظل هذه الانقسامات تسربت في حياتنا أمراض السياسة وصراعات الساسة وأصبحت السياسة هي التي تحرك الفكر والسلوك والأهداف والمصالح رغم أن الوطن هو الذي كان دائما يجمعنا في السراء والضراء وفى تاريخنا فترات كثيرة توحدت فيها أحلامنا ورؤانا تحت راية الوطنية ولكن السياسة بوجهها البغيض حملتنا إلى مناطق أخرى استنزفت قدراتنا وشردت صفوفنا وتركتنا فريسة للضياع .
لا يمكن لإنسان عاقل أن يطالب مجتمعا يعيش في عالم فقد كل مشاعر الإنسانية بأن يتخلى عن السياسة ولكن هناك فرق كبير بين سياسة تبنى الأوطان وتدفعها لمستقبل أفضل وسياسة فرقت كل شيء حتى أبناء الأسرة الواحدة حين تتحول السياسة إلى تجارة باسم الدين ونهب لثروات الشعوب وتقسيم الأوطان إلى جماعات وشلل فهي وباء يدمر كل شيء..وهذا ما يحدث في المغرب الآن.. لم يكن المغرب في يوم من الأيام بهذه الدرجة من الانقسامات ولم يكن شعبه بهذه الدرجة من الكراهية وهذا ما أخذناه من صراعات السياسة ومعاركها الفاشلة.
فأين تلك البرامج الانتخابية البراقة؟ وأين تلك المشاريع الموعودة؟ أين أيمانكم الغليظة أيها الساسة وأين شرفكم؟ ألم تبشرونا في حملاتكم الانتخابية بأن وجدة والجهة ستتحول إلى ستراسبورغ المغرب العربي؟ ألم تعدونا بتحويل كل شبر من ترابها إلى نسخة طبق الأصل من جنة الفردوس؟…
إن ثقافة المزايدة والدعاية الفارغة يصعب تغييرها بين يوم وليلة، فرجالها ما زالوا في الساحة، وتغيير الثقافة يتطلب ربما عدة أجيال، ونشأة أجيال جديدة منذ الصغر، تقوم على الثقة بالنفس والقدرة على النقد، وتغليب مصلحة الوطن على مصلحة الشخص، إن مثل هذه التصرفات التي برع فيها بعض السياسيين، وباركها بعض أشباه الإعلاميين الذين لا تحرك كامراتهم في غياب أقلامهم سوى الأظرفة، هي التي تدفع الشباب التواق إلى الديمقراطية الحقيقية إلى مقاطعة الانتخابات، وإعلان القطيعة مع كل ما هو حزبي وسياسي.
وربما سيكون حالنا مع السياسيين والمسؤولين كحال الشاعر الهاشمي الفضل بن العبّاس بن عتبة بن أبي لهب حينما بلغ بأهل البيت ما بلغ من إهانة الأمويين، فأنشد تلك القصيدة التي مطلعها:
مهلا بني عمّنا مهلا موالينا *** لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
لا تطمعوا أن تُهِينُونا ونُكرمكم *** وأن نكفّ الأذى عنكم وتؤذونا
الله يعلم أنا لا نحبّكم *** ولا نلومكم ان لم تحبّونا
كلّ له نيةٌ فى بغض صاحبه *** بنعمة الله نقليكم وتقلونا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*