الرئيسية > الحدث > الرواية العربية والتراث .. ”الزيني بركات” لجمال الغيطاني نموذجا (الجزء الأول)

الرواية العربية والتراث .. ”الزيني بركات” لجمال الغيطاني نموذجا (الجزء الأول)

بقلم الدكتور إسماعيل الفيلالي

يعتبر التراث العربي بمصادره المتنوعة زادا كبيرا، يطرح نفسه بإلحاح على المبدع المعاصر، وذلك باتصاله بهذا التراث، من خلال همومه المعاصرة . فيعيد كتـابته أو كتابة بعضه وفقا لوعيه بأبعاد هذا التراث المعنوية ،وأبعاد واقعه المعيش في الوقت نفسه ،فيخلق بذلك ترابطا متينا بين الحاضر والماضي من أجل استشراف آفاق المستقبل الجميل الذي تحلم به البشرية . وقد كانت الغاية من توظيف التراث في الرواية العربية هي تجاوز شكل الرواية التقليدية، ومحاولة إدخال الرواية العربية إلى مجال التحديث انطلاقا من التراث العربي، لا من التقليد الأعمى للغرب الـذي كان سببا في جنوح الرواية العربية عن أهدافها ،في بعض الأحيان.

إلا أن هذا التواصل، الذي يخلقه المبدع بين الإنسان وتراثه الماضي، عــبر الكتابة الإبداعية لا بد له من وعي ذاتي وحقيقي بالتراث، وبدوره التاريـخي، ألا و هو ممارسة التغيير بواسطة الكلمة الهادفة. لأن الـوعي بالتراث دون الوعي بدوره التاريخي من شأنه أن ينتهي بهذا التراث إلى الجـمود حـيث تغيب كل الفعاليات اللازمة لاستمرار حيويته. كما أن الوعي بالدور التاريخي دون الوعي بالتراث يمثل قطيعة معرفية ضد تاريخية الإنسان. لذلك لا يجوز إغفال التأثير الـذي للتراث على المبدع العربي سواء كان شاعرا أو مسرحيا أو قاصا أو روائيا.

لقد أصبح التراث مكونا أساسيا من مكونات الإبداع الروائي لذا سنحاول التـعرف إلى أي حد استطاع الروائي العربي أن يستفيد من هذا التراث؟ وسنخص بالدراسة الروائي جمال الغيطاني في روايته “الزيني بركـات”،وكيف وظف فيها التراث؟ و يعود سبب الاختيار لهذا النموذج، بطبيعة الحال، إلى الوضع المتأزم الذي آل إليه المجتمع المصري مؤخرا، واقع الانقلاب والمخابرات والقمع و الإعدامات، و الذي يشبه في كثير من الأوجه الوضــع الذي عبـرت عنه رواية ” الزيني بركات” في  سنوات الستين والسبعين.   

“الزيني بركات “و رواية التاريخ

في روايته الزيني بركات يرتد جمال الغيطاني خمسة قرون إلى الوراء، وبالضبط إلى عصر المماليك في مصر، وأقام صرحا روائيا نابضا بالحياة والحـركة.

تتناول الرواية أحداثا وقعت في عهد السلطان قنصوة الغوري منذ عـام 912 هجرية حتى هزيمة مصر في معركة “مرج دابق” واحتـلال العثمانيين لها في 922 هجرية الموافق ل 1517 م ، كما جاء على لسان نائب الشهاب الأعظم المختص بأحـوال ابن عثمان وأموره . كما أن أحداث الرواية قدمت عبر سلسلة من الوقائع وضـعت داخل إطار فني، هو مشاهدات الرحالة الإيطالي ” فياسكونتي جـانتي ” الذي زار القاهرة أكثر من مرة في القرن السادس عشر الميلادي أثناء طوافه بالعالم.

تبدأ الرواية بمقتطف من مشاهداته حين يقـول  : “تضطرب أحوال الديـار المصرية هذه الأيام ، وجه القاهرة غريب عني ليس ما عرفته في رحـلاتي السابقة أحاديث الناس تغيرت، أعرف لغة البلاد و لهجاتها ، أرى وجـه المدينة مريضا يوشك على البكاء، امرأة مذعورة تخشى اغتصابها آخر الليل، حتى السماء نحيلة زرقاء، صفاؤها به كدر، مغطاة بضباب قادم من بلاد بعيدة “(الرواية ص7).

وتنتهي أيضا بمقتطف من مذكراته و مشاهداته: “في ترحالي الطويل، لم أر مدينة مكسورة كما أرى الآن بعد انقطاعي ، غامرت ونزلت إلى الطرقات ، في الـهواء حوم الموت باردا لا يرد، رجال ابن عثمان، يدورون في الطرقات، يكبسـون البيوت، لا قيمة للجدران، الأبواب ملغاة في هذا الزمن، الأمان مفقود، و لا فائدة من أي توسل أو رجاء، لا يثق الإنسان أبدا من طلوع النهار عليه..(الرواية ص281)           

وإذا كانت الرواية ترصد لنا حقبة تاريخية تصور سوء الأحوال إلى حد نضج الهزيمة، فإنها تبرز أيضا أن جمال الغيطاني كان مسكونا بأزمة الحرية،ويـكشف آلية القمع الرهيبة التي يرزح تحتها المواطن العربي بصفة عامة، و المواطن المصري بصفة خاصة، لذلك فان القارئ لا ينفصل عن اللحظة المعيشة، وهو يعيش تفاصيل الحياة اليومية في قـاهرة القرن السادس عشر الميلادي. ذلك أن الجانب الذي اختار الغيطاني من خلاله رسم مشاهده التاريخية يتصـل بآلاف الوشائج بالهم الأساسي الذي يعيشه المواطن العربي، وهو القمع بالمعنى الشامل للكلمـة. وهذا القمع تمارسه “دولة البصاصين”،حيث تلـعب العيون الخفية والتقارير السرية والتعذيب ونشر الوعي الزائف الدور في استمـرار قبضة طبقية معينة واستغلالها لمجموع الطبقات الاجتمـاعية في المجتمع وتجسد الشخصية المحورية في الرواية”الزيني بركات بن موسى” ،هذا التوجه يصـل إلى السلطة بإيهام الناس بنزاهته وعدله، وليست سلطته إلا حلقة أخرى في حلقـات القيد المحكم حول قوت الناس ومصائرهم. وهذا مـا يكتشفونه مع مرور الوقت. ومن هنا فان الرواية لا تصور ديمومة القمع في المجتمع . ولكنها أيضا رواية تجسد الوهم وزوال الوهم فهي تجعل الناس يهتفون بالسلطة إعجابا وولاء، في الوقت نفسه الذي يقودهم فيها إلى الموت. فالغيطاني يعود إلى الوراء ليستنطق تـاريخ ابن إياس في “بدائع الزهور ” ليجد صورة مرعبة لكبير البصاصين الشهاب الأعـظم زكريا بن راضي ووالي الحسبة الزيني بركات. ومن مظاهر التعذيب المرعـبة تلك التي يحكيها عن تعذيب التاجر علي أبي الجود وتدرج الزيني بركات في التفنن بتـعذيبه ليحصل منه على المال. و يستمر في إرغامه على ذلك بتعذيب الفلاحين أمـامه ، بغية إخافته على مدى سبعة أيام ،منها تعذيب فلاح أمام عينيه بشتى أنواع التعذيب ، وينتهي بذبح ثلاثة من الفلاحين المسنين .   ( الرواية ص 131 ) .

أما على مستوى الشكل، فقد قسم الكاتب روايته إلى سبعة فصول أو كما يسميها هو: “سرادقات”، يحمل بعضها عنوانا يعلن عن مضمونه فيعلن عنوان الفصل الأول عن فترة انتقالية بين عهدين، عهد علي بن أبي الجود وعهد الزيني بركات. ويرد في عنوان الفصل الثاني كلمات تشير إلى ما سيحالف الزيني من توفيق، “شروق نجم الزيني بركات، وثبـات أمره وطلوع سعده واتساع حظه”(الروايةص71).وفي الفصل الثالث يذكر وقائع حبس وتعذيب علي بن أبي الجـود. ويأتي الفصل الرابع والخامس بدون عناوين ويتم فيهما الحديث عن شخصيات مختلفة من الرواية مـع إدراج بعض النداءات و التقارير حول الأوضاع التي آلت إليها الدولة. و في الفصل السادس يشير إلى قرية كوم الجارح التي عاش فيها الشيخ أبو السعود ومات. أمـا الفصل السابع فعنونه ب:سعيد الجهيني وما آل إلــيه حيث يعبر عن ذلك بقوله : ” آه أعطبوني، وهدموا حصوني… “.

يتبع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*