احدث المقالات
الرئيسية > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الاحمر: رائحة الفساد تنبعث من المكاتب المكيفة

الخط الاحمر: رائحة الفساد تنبعث من المكاتب المكيفة

زهر الدين طيبي: متى تشرع الدولة في تفعيل نتائج افتحاص تدبير رؤساء الجهات ورؤساء المجالس الإقليمية وباقي الجماعات الترابية؟ ألم تنكب لجان التفتيش بوزارة الداخلية على عمليات الافتحاص لشهور؟ ألم تخلص إلى وجود الكثير من سوء التدبير والتلاعب في الصفقات العمومية بالعديد من المجالس الترابية؟

بعد الإطاحة بالمئات من رجال السلطة الذين كانوا يوفرون لبعض المنتخبين الحماية، أو يقدمون عنهم تقارير مغلوطة لرؤسائهم، أو يستفيدون بدورهم بجزء من ريع من الصفقات، ينتظر المواطنون في مختلف الجماعات الترابية بالمملكة الكشف عن تقارير لجن التفتيش وتنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة وأن بعض المستشارين ومعهم بعض كبار الموظفين بدأت تظهر عليهم الكثير من علامات الثراء غير المشروع، ولا يتوفرون على ما يبرر ثرواتهم بغير المناصب التي وصلوا إليها قصد تدبير شؤون العامة من المواطنين، والتي تحولت إلى مناصب مدرة للدخل غير المشروع وكل أشكال الفساد الذي يكلف الوطن ثمنا غاليا. هذه الفئة من المنتخبين والمسؤولين، لا تتورع في الاستفادة من كل ما تدبره، بداية من بونات الوقود الخاصة بالسيارات، وتدبير توزيع الأموال على الجمعيات، والتلاعب في حصص الدقيق المدعم وصولا لاقتناء التجهيزات وحاجيات الأقاليم الخاصة بالمستشفيات والمراكز الصحية والمدارس، والتي لا تتناسب جودتها مع المصاريف المخصصة لها، مرورا بمشاريع البنيات التحتية والطرقات وصفقات التعمير.

لقد اشتغلت لجان التفتيش التابعة لوزارة الداخلية، في مهام افتحاص بالجماعات الترابية وصلت إلى 206 عمليات افتحاص، توزعت بين 75 مهمة لافتحاص مالية مجالس العمالات والأقاليم، و30 مهمة للتدقيق في العمليات المحاسباتية للجماعات الحضرية، و12 عملية تدقيق للعمليات المالية والمحاسباتية للمجالس الجهوية، و85 مهمة تدقيق للحساب الخصوصي للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لهذا أصبح المواطن ينتظر تطبيق القانون وتنزيل مبدأ المحاسبة على كل من تورط في الفساد أو استغلال نفوذ المنصب، كما يترقب أن تطيح تقارير لجان التفتيش بمسؤولين ومنتخبين في القريب العاجل، صونا للمال العام وترسيخا للثقة في مؤسسات الرقابة.

طبعا، المتورطون في الفساد وفي سوء تدبير المرافق التي يشرفون عليها، هم من كل الأطياف، وينتمون لكل الأحزاب التي وصلت لتدبير الشأن العام بمختلف ألوانها، باعتبار أن الأحزاب تضم الصالح والطالح، كما أن الأمر يرتبط بجميع أنواع الجماعات الترابية، من الجماعة القروية إلى الحضرية مرورا بالمجالس الإقليمية، وصولا إلى مجالس الجهات ومعهم الكثير من الموظفين الذين تحولوا بين عشية وضحاها إلى أثرياء بطرق ملتوية على حساب المال العام ومصلحة الوطن، وعن طريق كل الطرق الملتوية والتلاعب أساسا في الصفقات العمومية.

لقد كان موضوع “الصفقات العمومية ورهان الحكامة الجيدة”، محور الجلسة الشهرية المخصصة للسياسة العامة التي انعقدت الثلاثاء الماضي، بمجلس المستشارين، وضمن أجوبته على أسئلة المستشارين رفع سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، شعار “ما مفاكينش” في مواجهة ما اعتبره “الفساد الذي تعرفه مؤسسات الدولة”. وقال العثماني: “إذا ثبت أي فساد ما مفاكينش مع مولاه، لكننا لا ننطلق من الإشاعات”، مضيفا أن “الحكومة تنطلق من الأدلة الثابتة، وهي واعية بأن الفساد مازال موجودا، وسنسلك جميع المقتضيات القانونية للقطع معه ومعاقبة المفسدين”.

جميل أن يتشبث رئيس الحكومة بمحاربة الفساد، لكن أن يقول بأن محاربته لا تنطلق من الإشاعات، وأن الحكومة تنطلق من الأدلة الثابتة، فهذا معناه التشكيك فيما سبق أن صرح به قبل أسابيع، ألم يقل رئيس الحكومة إن استمرار الفساد بمختلف أنواعه، من رشوة وتلاعب في المال العام وصفقات مشبوهة، يضر بمصالح الوطن ويستنزف اقتصاده، حيث يفقد المغرب حوالي 5 في المئة من ناتجه الداخلي الخام أي ما يعادل 50 مليار درهم (5 مليارات و500 مليون دولار) سنوياً. ألم يعترف العثماني في يوم دراسي نظم في الرباط، أن هذا الفساد يفوت على المغرب بناء 150 مستشفى من الطراز العالي، وتشييد أكثر من 300 مدرسة ذات مستوى عال كل سنة. إذا كان كلامه هذا إشاعة، فتلك زلة لا تغفر لرئيس حكومة، وإذا كانت أرقامه مؤسسة على معطيات حقيقية وهو الأرجح، فما عليه سوى أن يشرع بداية بمحاربة بؤر هذا الفساد الذي تحدث عنه، باعتباره ينطلق من معطيات وأدلة ثابتة.

لقد سبق للعثماني أن شدد على أن الحكومة تعمل على سد الثغرات التي يمكن أن يستغلها المفسدون في القوانين، مثل القانون الخاص بالصفقات العمومية، وضمن المعطيات الرقمية، أمام مجلس المستشارين، أوضح العثماني أن اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية توصلت بـ 50 شكاية من طرف متنافسين أو من أصحاب الصفقات منذ انطلاقها في يناير 2018، موردا أنها “شرعت في تعزيز تموقعها في منظومة الصفقات العمومية بتكريس الثقة” ودعا إلى ضرورة “ملاءمة الصفقات العمومية مع حجم وقدرات المقاولات، خصوصا الصغرى والمتوسطة، بمواكبتها ومساعدتها والرفع من مستوى تنافسيتها وتبسيط شروط مشاركتها في هذه الصفقات”، مشيرا إلى أن تحسين حكامة الصفقات العمومية يتم وفق منظور شمولي ومندمج يأخذ بعين الاعتبار أبعادا تدبيرية عدة.

المؤكد أن الفساد يكبد الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، ويضر بمصالح الوطن والمواطن، كما أن الكثير من المسؤولين والمنتخبين عاثوا فسادا في تدبير الشأن العام في مختلف جهات المملكة، وباتت تظهر عليهم علامات الثراء الفاحش، وتلك أدلة بينة، ما على رئيس الحكومة سوى الاعتماد عليها للشروع في محاربة هذه الآفة، لأن الكل سواسية في دولة الحق والقانون حيث يتساوى الوزير والمسؤول الكبير مع المنتخب والموظف الصغير.

حتما الطريق للقضاء على كل أشكال الفساد طويلة، ولكن بدايتها تنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ما دامت مساجدنا ملأى بالمسؤولين الفاسدين ورائحة الفساد تنبعث من مكاتبهم المكيفة.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*