احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الأحمر: مدرسة الفوارق الاجتماعية

الخط الأحمر: مدرسة الفوارق الاجتماعية

زهر الدين طيبي:  ونحن نودع سنة دراسية أخرى، وفي ظل المشاكل التي بات يعرفها قطاع التعليم والتي تزداد استفحالا يوما بعد يوم منذ فجر الاستقلال إلى اليوم، نتساءل: لماذا تراجعت قيمة المدرسة العمومية التي خرجت أجيالا من الكفاءات؟ هل تعليمنا المغربي منصف؟ متى يتم ضمان تكافؤ الفرص لجميع الأطفال في ولوج تربية جيدة باسم العدالة الاجتماعية؟ لماذا لا يكون الاستحقاق الشخصي، هو الوسيلة الوحيدة، للارتقاء الاجتماعي؟ ولماذا لم نستطع الرقي نحو مجتمع يقوم على مبادئ الاستحقاق والعدالة الاجتماعية؟ لماذا فشلنا في الفصل بين الأصل الاجتماعي والرأسمال الدراسي للمتعلم؟

أكد تقرير جديد للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، أن المدرسة المغربية أصبحت منتجة للفوارق الاجتماعية التي تنتج عن الفوارق المدرسية، ما يؤدي إلى تراجع المجتمع برمته. التقرير الجديد المعنون ب “مدرسة العدالة الاجتماعية” أعاد تشخيص الواقع المتأزم للمنظومة التعليمية المغربية وحاول جرد أهم مكامن الخلل الذي تعانيه، باعتباره يندرج في إطار مساهمة المجلس في التفكير حول تجديد النموذج التنموي بُغية إعادة النظر فيه، وجعله أكثر شمولاً، وإدماجاً، وعدلاً.

وفي إطار البحث عن إعادة خلق الرابط الاجتماعي الملازم لكل مجتمع عادل، يرى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، أن ضمان تكافؤ الفرص لجميع الأطفال في ولوج تربية جيدة باسم العدالة الاجتماعية، هو الحل، وبداية الانعتاق من الارتباط الحاصل بين الأصل الاجتماعي والرأسمال الدراسي للمتعلم. وأوضح المجلس في تقريره أن هذا الأمر يستلزم التطور نحو مجتمع يقوم على الاستحقاق والعدالة الاجتماعية، وفك الارتباط بين الأصل الاجتماعي والرأسمال الدراسي للمتعلم، وبعبارة أخرى، يجب اعتبار الاستحقاق الشخصي، هو الوسيلة الوحيدة، للارتقاء الاجتماعي من خلال مستوى وجودة التكوين المحصل عليه.

جميل أن يتم التشخيص وفق هذا النسق، وجميل أيضا أن تعي السياسات العمومية ضرورة تعويض ما يعاني منه بعض الأطفال من صعوبات اجتماعية، ووهن شخصي، لكن هذه السياسات للأسف وفق التقرير لم تشمل كل الأطفال الذين يوجدون في هذه الوضعية، كما لم تشمل كل أصناف الهشاشة، الأمر الذي ينجم عنه تربية غير دامجة لا تستطيع أن تأخذ الفوارق الموجودة بين التلاميذ وخصوصياتهم بعين الاعتبار، وعندما تعجز المدرسة عن التكفل بالصعوبات التي يعاني منها التلاميذ المعرضون للهشاشة الاجتماعية والنفسية والمدرسية، فإنها تتخلى عنهم، وتتحول هي ذاتها إلى آلة لتضخيم الفوارق.

من هنا تصبح النتائج المنتظرة مخيبة للآمال وتعيد طرح مجموعة أخرى من الأسئلة من قبيل: كيف يمكننا أن نقيم منظومة التربية والتكوين إذا كان ثلث المغاربة أميين، ومليون تلميذ غادروا الدراسة و70 سبعون في المئة من خريجي الجامعات عاطلين؟ ما السبيل لتطوير التعليم إذا كان المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، يعترف بأنه فاشل؟ لماذا أصبحت أزمة المدرسة العمومية المغربية بنيوية وأخلاقية؟

لا شك أن الاحصائيات الصادمة التي أوردها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، حول البرنامج الوطني لتقييم مكتسبات التلاميذ تفي ببعض من الإجابات: 58 % من الأساتذة يمضون وقتا طويلا في فرض الانضباط في القسم على حساب زمن التدريس.  56 % من التلاميذ لا يشعرون بالأمن في مدارسهم…. 2 % فقط من مديري المدارس يصرحون بأنهم يتوفرون على تلاميذ ميسورين في مدارسهم، الباقي يؤكد أن 56 % فقراء، و42 % طبقة وسطى. 90 % من التلاميذ صرحوا بحاجتهم إلى دروس التقوية في اللغتين الفرنسية والإنجليزية والرياضيات. 60 % من الأساتذة لم يستفيدوا من أي تكوين مستمر خلال الخمس سنوات الماضية…20 % من التلاميذ يدرسون عند معلمين وأساتذة لم يتلقوا أي نوع من التكوين في المواد التي يدرسونها للتلاميذ، وهذه المواد هي: العربية والاجتماعيات والفيزياء والكيمياء وعلوم حياة والأرض. 44 % من التلاميذ لا يتوفرون في بيوتهم على كتب غير المقررات الدراسية. 47 %‏ من تلاميذ التعليم العمومي يسكنون في منازل غير لائقة، 88 % من أمهات التلاميذ عاطلات عن العمل، ثلث آباء التلاميذ لم يحصلوا هم أنفسهم على أي تعليم، و55 % من أمهات التلاميذ أميات.

يبدو جليا من خلال هذه الأرقام بأن الفوارق الاجتماعية في المنظومة التعليمية المغربية استفحلت بشكل سيء، كما أن عددا من الدراسات تؤكد بأن اتساع فوارق الدخل يدفع الفئات الأشد حرمانا إلى التقليل من الاستثمار في الرأسمال البشري، وخاصة في التربية. وإذا أضفنا ما جاء في تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، حول المدرسة المغربية، الذي يحمل عنوان “مدرسة العدالة الاجتماعية”، والذي كشف بأن ثلث المغاربة أميون، ومليون تلميذ غادروا الدراسة و70 في المئة من خريجي الجامعات عاطلون، فإن الصورة القاتمة تكتمل.

لقد جاء في التقرير، أن “أزمة التربية في بلادنا هي أزمة بنيوية وأخلاقية، لأنها تهدد مستقبل الأجيال الناشئة ومصير البلاد، وهي تتجلى في ضعف مكتسبات التلاميذ وعدم ملاءمتها لحاجات المغرب الحالية والمستقبلية ولمتطلبات سوق الشغل”…

الخلاصة هي أنه في ظل الفوارق القوية الموجودة بين التلاميذ من حيث أصولهم الاجتماعية والجغرافية، ومن حيث جنسهم أو إعاقتهم، أو من حيث أي ظروف أخرى شخصية، يبقى من الصعب فك الارتباط بين الفوارق الاجتماعية والمدرسية، ما دامت الإجراءات الرامية إلى تحقيق تكافؤ الفرص التعليمية لا تزال ضعيفة. لقد شخصنا الوضع، وعرفنا مكامن الإخفاق في تعليمنا، وإذا عرفنا كيف فشلنا فإنه يفترض أننا نفهم كيف ننجح، وكيف نحقق العدالة الاجتماعية في التربية والتعليم في المستقبل، لأننا نريد مجتمعا ناجحا بكل مكوناته، ولا نريد أن ينجح فقط بعضنا بذكائه، وبعضا الآخر ينجح بغباء الأخرين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.