احدث المقالات
Home > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الأحمر: كلفة الفساد !

الخط الأحمر: كلفة الفساد !

زهر الدين طيبي: هل يمكننا فعلا القطع مع عهد الولاءات والتزكيات في مناصب المسؤولية؟ هل تكفي تنقيلات رجال السلطة أم نحن في حاجة إلى تنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ إلى متى يستمر المفسدون عندنا في تكديس المال العام والإثراء غير المشروع؟ كم هي كلفة الفساد في المغرب؟ ألا تمثل نسبة مهمة من الناتج الداخلي الخام؟ كم مدرسة ومستشفى نستطيع بناءه بهذه الكلفة التي تقدر بعشرات ملايير الدراهم؟ وأخيرا، هل تكفي آليات الرقابة الموجودة للحد من ظاهرة الفساد؟

غير خاف على أحد، أن المناصب في جل هياكل الدولة، تعتمد على القرابات والولاءات الحزبية والتزكيات أكثر من اعتمادها على الكفاءات، كما أن سياسة ترضية الغاضبين من قيادات أحزابهم، باتت تعتمد على مناصب في مؤسسات الدولة بعيدا عن منطق الأهلية للمنصب أو الكفاءة العلمية، وهو الأمر الذي ينعكس سلبا على سير الإدارة، ويفسح المجال واسعا أمام التسيب والثراء غير المشروع وانعدام النزاهة. طبعا لا يجب التعميم، ولكن الاستثناءات النادرة لن تشكل القاعدة، كما أن الزهرة الواحدة لا تشكل الربيع.

بعد التعليمات الملكية السامية لوزير الداخلية قصد اتخاد التدابير اللازمة من أجل تحقيق فعالية أكبر وترشيد أمثل للموارد البشرية بهيئة رجال السلطة، وذلك من خلال تكريس معايير الكفاءة والاستحقاق في تولي مناصب المسؤولية بهذه الهيئة، 
تم اعتماد وتطبيق مسطرة جديدة في تولي مهام المسؤولية في سلك السلطة، قوامها تثمين الكفاءات وإعمال مبادئ الاستحقاق وتكافؤ الفرص.  وأبرزت وزارة الداخلية أنه سيتم كذلك تفعيل المبدأ الدستوري لربط المسؤولية بالمحاسبة في حق كل من ثبت بشأنه تقصير في القيام بواجباته ومسؤولياته المهنية، وهو إجراء لن يستثني أي مستوى من مستويات المسؤولية في هيئة رجال السلطة. وبعدما كان تعيين رجال السلطة بالمغرب وترقيتهم يتطلب سابقاً فقط موافقة وزير الداخلية على المقترحات المقدمة، شرعت وزارة الداخلية في تكريس معايير الكفاءة والاستحقاق في تولي مناصب المسؤولية بهذه الهيئة، وتفعيل المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة. وفي سابقة تعتبر فريدة من نوعها، اعتمدت وزارة الداخلية مسطرة المقابلات الشفوية مع أطر وموظفي الوزارة قصد ترقية 212 رجل سلطة إلى مهام عليا بالمغرب؛ أشرفت عليها لجان مكونة من ولاة وعمال. وقد تم تطبيق هذه المسطرة في الترقية لأول مرة وتعميمها على جميع الترقيات في مهام السلطة من كاتب عام وباشا ورئيس دائرة ورئيس منطقة حضرية وقائد، لكي تصبح قاعدة في تولي مهام المسؤولية في سلك السلطة.

من جانبه، دعا رئيس الحكومة إلى تعميم هذه التعليمات على جميع الإدارات، مؤكداً أنه “بالرغم من توفر بلادنا على العديد من الإجراءات والقوانين والمراسيم في هذا المجال، فهي في حاجة إلى التفعيل، ويجب وضع حد لأي شكل من أشكال التسيب والفساد والرشوة أو المجاملة في التعيينات مثلا، أو أي شكل من أشكال عدم ربط المسؤولية بالمحاسبة”. جميل أن يتحدث المسؤولون عندنا بهذه اللغة، ولكن الأجمل هو استرجاع الأموال المنهوبة، ومتابعة المفسدين الذين يتكاثرون كالطفيليات، ويشكلون حركة التنمية ويعرقلون عجلة التقدم على جميع المستويات.

لقد قال رئيس الحكومة، والعهدة عليه، إن استمرار الفساد بمختلف أنواعه، من رشوة وتلاعب في المال العام وصفقات مشبوهة، يضر بمصالح الوطن ويستنزف اقتصاده، حيث يفقد المغرب حوالي 5 في المئة من ناتجه الداخلي الخام أي ما يعادل 50 مليار درهم (5 مليارات و500 مليون دولار) سنوياً. لقد اعترف العثماني في يوم دراسي نظم في الرباط، أن هذا الفساد يفوت على المغرب بناء 150 مستشفى من الطراز العالي، وتشييد أكثر من 300 مدرسة ذات مستوى عال كل سنة. رئيس الحكومة أوضح بنفس المناسبة أن حكومته تبذل مجهوداً كبيراً لمحاربة الفساد، حيث قام عدد من الإدارات بإحالة ملفات الفساد على القضاء للتحقيق فيها وأن جميع الوزارات توجه تقارير مفتشياتها العامة إلى رئاسة الحكومة من أجل اتخاذ اللازم بشأنها، بما في ذلك الإحالة على النيابة العامة، إذا ظهر أن هناك شبهة فساد.

طبعا، نحن لا نعمم، كما لا ننكر وجود موظفين نزهاء رغم قلتهم، إلا أن الطالح من المسؤولين أكثر من الصالح، في جميع الإدارات وفي جميع المستويات وفي كل الجهات. لقد شدد العثماني على أن الحكومة تعمل على سد الثغرات التي يمكن أن يستغلها المفسدون في القوانين، مثل القانون الخاص بالصفقات العمومية. ووصف العمل الذي تقوم به المفتشيات العامة “بغير الكافي”، موضحا أن صلاحياتها لمحاربة الفساد «غير كافية» كذلك، قائلاً: «لذلك عملنا على تعزيز صلاحياتها وعملها في مجال محاربة الفساد». ونبّه العثماني إلى وجود ثقوب ومنافذ للفساد في مجالات الصفقات العمومية، والقوانين، والمراسيم، والممارسات، موضحاً أن عمل الحكومة هو سد تلك المنافذ، واصفاً ذلك العمل بـ”غير السهل” وكشف عن إحالة العديد من الملفات الإدارية على النيابة العامة قصد التحقيق فيها.

تصوروا فقط، ولنقل احلموا بهذه الأرقام، كيف كان سيصبح الوطن لو أننا كنا نشيد سنويا 150مستشفى من الطراز العالي، و300 مدرسة ذات مستوى عالي؟ هل كانت قطاعات حيوية كالصحة والتعليم بهذا المستوى من الرداءة في الخدمات؟ المؤكد من خلال كل هذه المعطيات أن الفساد يكبد الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، كما أنه يضر بمصالح المواطن، وبمصالح الوطن، باعتبار أن الكثير من المسؤولين والمنتخبين عاثوا فسادا في تدبير الشأن العام في مختلف جهات المملكة، وباتت تظهر عليهم علامات الثراء الفاحش، لهذا لابد من الوقوف ضد الفساد والمفسدين، وتجريم الإثراء غير المشروع، عبر تكثيف جهود الحكومة والبرلمان والإعلام وهيئات المجتمع المدني لمحاربة الفساد، بسبب كل هذه الخسائر والتحديات التي يطرحها على مصالح الوطن والمواطنين. ولا شك أن المواطنين اليوم، بحاجة إلى جرعة ثقة في المؤسسات، وفي إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة، هم في حاجة لإجراءات قانونية عقابية ضد ناهبي المال العام والمسؤولين المرتشين عوض الاكتفاء فقط بتنقيلهم، واعتماد سياسة عفا الله عما سلف، لأنه كما قال نجيب محفوظ، “عندما يأمن الموظف من العقاب سيقع في الفساد ويسوم الفقراء سوء العذاب.”

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.