الرئيسية > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: سطعت السخافة وأفل نجم الثقافة

الافتتاحية: سطعت السخافة وأفل نجم الثقافة

بقلم: عبد المنعم سبعي
آلمتنا كثيرا الانتكاسات التي صاحبت افتتاح فعاليات وجدة عاصمة الثقافة العربية، وحز في نفوسنا التبخيس الذي تواجه به كل تظاهرة تنسب لوجدة أو لجهة الشرق، كنا ننتظر أن تشهد المدينة انتعاشة ثقافية تحيي فينا أمجاد الرواد من المثقفين الوجديين الذين أبدعوا في كل مجال، كنا ننتظر أن تتزين ساحاتها وأسوارها باللوحات والشعارات التي تعكس حجم هذه التظاهرة… كنا نعتقد أن المناسبة سانحة للمصالحة مع المثقف المحلي والجهوي الحقيقي وإعلان القطيعة مع الممارسات الاقصائية البائدة، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، سوى ذلك الحفل الافتتاحي اليتيم الذي حظرت فيه الخطابات ومسخ فيه التراث الثقافي المحلي بفعل هاجس الانفتاح والحداثة.. وانتفى منه أي فعل ثقافي سوى تلك الكلمات التي تناوب عليها السياسيون ليلامسوا قضايا ثقافية يجهلون تيماتها وربما لا يعرفون حتى ماهية وكنه ومدلولات مصطلحاتها. غاب المثقفون الحقيقيون والمبدعون الوجديون الكبار الذين ضحوا بالغال والنفيس للتعريف بوجدة ومثقفيها في العالم العربي والاسلامي برمته. ألم يسمع العالم العربي أن من شرق المغرب نبغ المرحوم عابد الجابري المفكر الذي أخرص مناوئيه من المشرق العربي؟ ألم تصل قوافي الشاعر الوجدي حسن الأمراني فيافي شبه الجزيرة العربية لتحيي قوافي المتنبي؟ ألم تصل أعمال المرحوم محمد مسكين مسارح بلاد الرافدين وأرض الكنانة؟ ألم يكن فكر العلامة مصطفى بنحمزة ودفاعه عن الثقافة الاسلامية العربية، يساير متغيرات العصر ويحفظ للأمة المغربية مناعتها وصلابتها؟ ألم تترك أعمال الشعراء الكبار أمثال عبد السلام بوحجر ومحمد علي الرباوي وعبد القادر لقاح بصماتها في صالونات الشعر العربي ومسابقاتها العالمية؟ ألم يحج العشرات من المثقفين العرب إلى مدينة وجدة للمشاركة في أنشطة مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بنفس المدينة؟ إن مثل هذه القامات الوجدية هي التي منحت لوجدة لقب عاصمة الثقافة العربية لسنة 2018، وإن أي تنكب عن الاعتراف بدورهم في الاشعاع الثقافي للمدينة هو إقصاء للرموز الثقافية المحلية. بل هو تكريس لدونية انتاجها وحيرة احداثها، فلا مندوحة من الاعتراف بأن الجهة الشرقية و مدينة وجدة على وجه الخصوص شكلت منذ نشأتها، حالة غير عادية من حيث الأحداث التي لاحقتها. حيث كانت دوما محط صراع مثير، و تتأثر بالتغيرات السياسية حتى أطلق عليها مدينة الحيرة.
ففي كثير من المناسبات، تشير الشواهد التاريخية إلى النكبات والمنافسات والصراع والنهب الذي تعرضت له هذه المدينة كما تشير إلى الحروب المتتالية التي توالت على هذه المنطقة والتي بلغت من العنف والتخريب حتى كادت أن تمحوها من الخريطة .
وقد استعملت تعابير جد قاسية في حق هذه المنطقة وفي حق مدينة وجدة، فمن سوء الصدف أن سليمان بن جرير الشماخ الذي اغتال الموالى إدريس الأول والذي فر من فاس في اتجاه المنطقة الشرقية، حاصره مطاردوه على مقربة من وجدة لكنه أفلت من قبضتهم، فألصقت بهذه المنطقة وبسكانها تسمية “النحس”
وعندما تكلم أبو القاسم الزياني مؤرخ الدولة العلوية خلال القرن 18 عن ولاية وجدة، صاحبها بالنكبة التي وقع فيها عندما كلفه المولى سليمان بولاية المدينة التي قال عنها: “هي في حيز الإهمال ، وأزعجني لها من غير إمهال، فاستغفيته فلم يقبل كلامي، واسترحمته فلم يرحم ذمامي، وخرجت لها في طالع نحس كدر .. فجاءنا العرب من كل حدب ينسلون ووقع الحرب، فانهزم من معنا من العسكر هاربون فنهب العرب ما عندنا من صامت وناطق وصاهل وناهق”.
وظل سكان هذه المدينة والمنطقة يضربون أروع المثل في التصدي للظلم والجنوح للمعارضة، فأثناء سنوات الرصاص قدم مناضلو هذه المنطقة تضحيات لازالت المحاكمات وجلسات جبر الضرر تشهد على هذا الوضع، وفي انتخابات 1983 ، ستتربع مدينة وجدة على ثلة من المدن التي استطاع سكانها أن يميلوا مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحزب الذي أبدى معارضة شرسة في تلك الفترة للطريقة التي كانت تسير بها البلاد، فكانت مدينة وجدة إحدى المدن القلائل التي كان يسير بلديتها مجلس ينتمي أعضاؤه لهذا الحزب، كما أن الانتخابات التشريعية لذات الفترة مكنت مرشحين من الحزب المعارض الاتحاد الاشتراكي من تمثيل سكانها بقبة البرلمان. وأثناء السماح لحزب العدالة والتنمية بدخول غمار اللعبة السياسية سيمنح سكانها ثقتهم لحزب المصباح المعارض في كثير من المحطات.. إنها روح الإحساس بالغبن، وسكان مدينة ومنطقة هذا حالها لاشك أنهم يحاولون الظهور بصفة التميز في كثير من المناسبات، وهذا واقع كثير من نخب هذه المنطقة ومثقفيها ومبدعيها.
لقد ارتقى الإبداع الوجدي حتى وصل إلى درجة من الوعي تجعل الإنسان يعبر عن رأيه بكل الصراحة دون أن يسقط في متاهات الترخص أو الابتذال،ووصلت الرمزية في الإبداع الوجدي ونبوغه إلى آفاق من القدرة والشفافية جعلت من كتابنا وشعرائنا ومبدعينا الكبار نماذج رفيعة في الصدق والإقناع والمواهب.. لقد قاوم الوجديون الاستبداد في كل مراحله وعصوره وكانت لديهم القدرة أن يواجهوا أدواته الفكرية في سلطات مسؤول جائر أو عواصف زمن مستبد.. وقاوم الوجديون كل ما هدد هويتهم ولغتهم وثوابتهم وعقائدهم وخرج الغزاة من المغرب كما جاءوا وبقى الإنسان الوجدي محافظا على رصيده الحضارى والفكرى والديني دون أن يعبث فيه احد..
إن بلادنا الآن تشهد تحولات غريبة في سلوكيات الشارع وعقول الصفوة وما بين شارع فقد أهم مقومات تماسكه وصفوة فرطت في أجمل ثوابتها أصبح من السهل أن تعصف بنا أي رياح وافدة.. لم تعد لنا هوية مع الإبداع الجميل والفن الراقي.. ولم تعد بيننا قواعد للحوار مع الآخر وتحول المغاربة إلى حشود تتبادلها فوضى الذوق والفكر وثقافة الزحام..
من هنا نعود إلى أول الحديث وهو أننا فرطنا في أشياء كثيرة من مقومات هذا المجتمع كان إهمال الثقافة أول الخطايا وكان الانقسام الاجتماعي والفئوي والاقتصادي من اخطر الظواهر السلبية في حياة المغاربة، وحين تصبح الثقافة هماً من هموم الدولة مثل النقل والطرق السيارة سوف يعود التوازن إلى الإنسان المغربي في سلوكياته وثوابته وتصرفاته.. لقد كانت الثقافة هي الجواد الرابح في تاريخ المغرب إشعاعا وحضورا وحين غابت الثقافة كان من الضروري أن يتراجع الإنسان المغربي.. ونحن في هذه الربوع من شرق المغرب عاشت الثقافة أزهى أيامها بعد الاستقلال ونبغت على المستوى الوطني والعربي فرق مسرحية وذاعت في الآفاق وصلات فرقها الغرناطية، وكم كنا نترقب مسؤولا يهتم بالثقافة والمثقفين الحقيقيين ويعيد الإشعاع لثقافة هذه المدينة والجهة، ولعل الإبعاد الذي لحق المثقفين الحقيقيين لهذه المدينة أثناء حفل افتتاح فعاليات وجدة عاصمة الثقافة العربية يجعلنا نعلن أنه قد سطع الليلة نجم السخافة وأفل نجم الثقافة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*