احدث المقالات
الرئيسية > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: جعجعة بلا طحين

الافتتاحية: جعجعة بلا طحين

بقلم: عبد المنعم سبعي
كانت وجدة خلال نهاية الأسبوع الماضي محط أنظار المتتبعين والسياسيين والمستثمرين ووسائل الإعلام الجهوية والوطنية، لأنها كانت تحتضن لقاء تواصليا برئاسة رئيس الحكومة سعد العثماني وبمعية العديد من وزرائه، وبحضور فعاليات من عالم السياسة والاقتصاد والمجتمع المدني الجهوي. حجم التطلع وانتظار النتائج لا يفسره سوى معاناة جهة الشرق وأبنائها مع الانكماش الاقتصادي والبطالة والهشاشة، لقد انعقد اللقاء وحضرت الخطب والتطمينات من طرف الحكومة، وكثرت الآهات والشكاوي من طرف السياسيين المحليين وغابت الجرأة على وضع اليد على مكمن الداء. لم يتناول أي متدخل المشاكل الحقيقية التي تعيق الاستثمار بوجدة والجهة ، ولم يجرأ أحد على ملامسة الحلول الواقعية والملموسة التي من شأنها أن تعيد الأمل لساكنة هذه الجهة المعطاء، فلم نكن نعتقد أن تخفيض سعر الطائرة من وجدة إلى البيضاء هي سقف اهتمامات المواطنين البسطاء الذين بالكاد إن سافروا أقلوا الحافلة أو القطار، فالمنطق كان يفرض التخفيض من سعر تذاكر القطار والحافلة إن كنا فعلا نريد مسح دموع الفقراء التي تنهمر بلا استئذان في هذه الجهة، أو النظر في سعر البنزين الذي يصل إلى الجهة الشرقية بأغلى ثمن، أو النظر في المراجعات الضريبية بالجهة التي أبعدت عنا كل مستثمر ، فما أبلغ ذلك الانذار الذي أطلقه الحاج ادريس حوات في ذات اللقاء، عندما أكد أن المستثمرين يفكرون مغادرة الجهة “وأنا واحد منهم “.
إن الجهة الشرقية في هذه الظروف العصيبة تحتاج إلى قرارات حاسمة خصوصا في مجال تشجيع الاستثمار وخلق فرص الشغل خصوصا بعد الركود الذي لم يعد خافيا على أحد كان باحثا أو مهتما ، حتى لا يتوقف بنا القطار ونجد جهتنا أمام تحديات تتجاوز قدراتها على المواجهة ويضيع منا العمر والجهد دون أن نصل إلى شيء.
متأكدون أن سياسة جلب الاستثمارات تعد من أهم الآليات التي أصبحت تنحوها الدولة المغربية خاصة في ظل راهنية احتدام المنافسة بين الاقتصاديات المختلفة المتقدمة منها و النامية، و يمكن أن يكون الاستثمار استثمارا للرأسمال، أو استثمارا للشغل أو غيره، وترتبط مرونة أي نظام بمدى تفعيل التدابير التحفيزية الممنوحة للمستثمرين. فالمستثمر لن يقبل على أي مغامرة استثمارية في جهة ما، إلا إذا كان متيقنا من الضمانات والتشجيعات التي تمنحها هذه الجهة وتنفرد بها دون سواها، لذلك فإن اللعب على وتر الانتماء للجهة لجلب المستثمرين المقيمين بالخارج والمنحدرين من مختلف مدنها وقراها لن تأتي بأي نتائج، ما دام البعد الجغرافي عن المركز قائما والتحفيزات الضريبية الخاصة بالجهة منعدمة، وما دامت مراكز التسويق بعيدة… ولو كان الانتماء للجهة كافيا لجلب استثمار أبنائها لما فر منها المستثمرون السابقون الذين رحلوا إلى البيضاء وأكادير ومدن أخرى تغنيهم من تكاليف إضافية مرتبطة باللوجستيك وارتفاع سعر البنزين بالجهة مقارنة بمختلف الجهات..
لقد عانت الجهة الشرقية منذ استقلال المغرب من قرارات مجحفة كرست مقولة “المغرب غير النافع” كعقيدة عصية التخلص من مدلولاتها لدى المسؤولين وصناع القرار، وظل اقتصادها يعتمد على الاقتصاد غير المهيكل ويشكو الاعتلالات والأسقام التي لا يمكن تجاوزها إلا بقرارات جريئة وصائبة وبنوايا صادقة لإخراج الجهة من غرفة الإنعاش، فجاءت المبادرة الملكية لتنمية أقاليم الجهة الشرقية التي أعلن عن خطوطها العريضة صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه التاريخي بوجدة يوم 18 مارس 2003، فوضع هذا الخطاب كل الزيارات الملكية السابقة واللاحقة في سياقها الاستراتيجي والتنموي. لقد تضمنت الخطة الملكية مقاربة تنموية مندمجة، هدفها إعطاء دفعة قوية للحركة التنموية بهذه الأقاليم المحسوبة جغرافيا على الجهة الشرقية وكانت هذه الخطة الملكية مرافعة تنموية بامتياز واجتماعية بامتياز وجريئة أكثر لأنها عبرت بقوة عن المنظور السديد الذي يختزل كل آليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتراصة. ولاشك أن هذه المبادرة كانت وصفة الحدس في قراءة اقتصاد جهة حدودية تلبدت مساراته فيما مضى من العقود بالمسكنات التي ما عادت ذات جدوى ولا فائدة. ولا شك أيضا أنها مبادرة انطلقت من رصد موضوعي وواقعي لحال التنمية بالجهة وانتهت إلى تحفيز الاستثمار والمقاولات الصغرى والمتوسطة للشباب، وتزويد المنطقة بالتجهيزات والبنيات الأساسية .
وبعد مرور حوالي خمسة عشرة سنة على هذا الخطاب التاريخي، بدأ يحس مواطنو هذه الجهة بالنقلة النوعية التي أعادت الروح لمدن هذه الجهة بفضل ما تم انجازه برعاية ملكية سامية، قد نتذكر كلية الطب والمستشفى الجامعي وحسناته على سكان المنطقة، وقد نتذكر الطريق السيار وجدة فاس وما ساهم به من ربح الوقت وضمان الراحة والسلامة الطرقية، وقد نتذكر مطار وجدة أنكاد، والمحطة السياحية بالسعيدية ومحطة مارتشيكا ومشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، وقد نتذكر الخط السككي الناظور تاوريرت، فضلا عن عشرات المشاريع المهيكلة، لذلك حق للوالي معاذ الجامعي أن يؤرخ لهذه الجهة بهذا التاريخ كحدث متميز في مسيرة وجدة والجهة، ولذلك أيضا لا يحق لحكومة العثماني أن تتغنى بهذه المنجزات في خطبها الرنانة لأنها جاءت بإرادة ملكية.
مجمعون على أن للجهة الشرقية وضعا اقتصاديا وسياسيا وجغرافيا مختلفا عن باقي الجهات، وأنها تدفع ضريبة موقعها المجاور لدولة شقيقة لا تعرف سوى معاكسة مصالح وطننا، ولعل أقل ما ينبغي التفكير فيه وتسطيره ضمن الأولويات هو تمتيع مدن المناطق الحدودية بامتيازات ضريبية وتشجيعات عقارية لصالح الاستثمار… إن المطلوب وسط هذه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لسكان هذه المناطق أن نحدد المعنى الحقيقي للتنمية، فلم تعد إثقال كاهل مؤسسات ومستثمري هذه الجهة بمزيد من الضرائب والمراجعات، ولم تعد محصورة في إبداع الملتقيات واللقاءات التواصلية، وإنما أصبحت تتعداها لتصل إلى ضمان الكرامة والعيش الهنيء لمواطني هذه الجهة، وإلا سترمى الحكومة ومعها منتخبو وبرلمانيو ورؤساء الجماعات الترابية بهذه الجهة بالتقصير وسوء التدبير، لأن التقصير الحقيقي هو أن يضعك المواطنون في موقع المسؤولية ثم تفرط فيها وتبيع الأرض والعرض والتاريخ وتصبح لعبة في يد المغامرين وتجار المبادئ. التقصير الحقيقي أن يستأمنك المواطن على عزة مدينته وجهته ووطنه وتخون أمانة المنصب وتصوت على قرارات تزيد الفقير فقرا والغني غنى،
إن الاهتمام الحقيقي بموضوع جلب الاستثمار بالجهة الشرقية يفرض على السياسيين والمنتخبين والبرلمانيين والفاعلين الجمعويين العمل من أجل إقناع المسؤولين المركزيين بضرورة تمتيع الجهة بمحفزات تشريعية تتمثل في مجموعة من الامتيازات الضريبية، وضمان تحويل رؤوس الأموال، وإعفاء الجهة من بعض الضرائب لتعويض المستثمرين بها عن بعض التكاليف الزائدة التي تنجم عن بعد الجهة عن المركز والزيادة في ثمن المحروقات. وما دام اللقاء التواصلي لم يلامس هذه القضايا بالجرأة المطلوبة فلننتظر الأسوأ فيما هو آت، وإلى أزمة أخرى ولقاء تواصلي جديد مع رئيس حكومة آخر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*