الرئيسية > الحدث > الحدث الجهوي > ملامح من تاريخ قصبة تاوريرت أو ثوريرث.. الكدية

ملامح من تاريخ قصبة تاوريرت أو ثوريرث.. الكدية

د. محمد حماس (باحث في التاريخ والتراث) وجدة: يجب الإقرار بأن من ينظر إلى حال تاوريرت، الكدية، الآن لن يصدق أنها مدينة ألفية، وأنها مدينة تاريخية، ظلت لعقود محط اهتمام ونزاع ومنافسة بين دولتين عظيمتين، المرينية والزيانية/العبدوادية، وأنها قبل ذلك استرعت اهتمام أمراء صنهاجة ثم الموحدين أكبر الدول التي حكمت الشمال الأفريقي إلى الأندلس من تاريخ شمال أفريقيا، بلاد الأمازيغ الممتدة من سيوا إلى جزر الكناري، ومن البحر الأبيض المتوسط إلى بوركينا ومالي. وقد ظلت لردح من الزمن مدينة لطيفة يخترق مساكنها نهر عظيم قادم من الصحراء(1). وقد ارتبط وجود تاوريرت بواد صاعأو صاأو زا، وهي أسماء لهذا النهر الكبير الذي يشكل أهم روافد نهر ملوية، أسماء أتى على ذكرها كل من ابن حوقل والبكري وابن خلدون وغيرهم ومعلوم أن كلمة زاتعني الدلو الذي يستخرج به الماء من البئر في اللغة الزناتية القديمة. وقد ظلت تاوريرت، الكدية، عامرة تتنوع فيها الزراعة على ضفتي نهر واد زا، وكان يسكنها بنو يرنيان وبنو مراسن الذين هم من حزب قاسم الذي كان يمتلك بلاد زا أو صاع، وهي بذلك تجاور زناتة تابريدا وبنو ورتدي بقلوع جارة عند مصب ملوية السفلى(2)، واتخذت موقعا مفصليا بين أعتى القبائل الزناتية لتقوم بدور تاريخي في المنطقة ككل، خاصة خلال الفترة الوسيطية إلى العصر الحديث؛ من هنا يمكن القول بأن المنطقة التي تضم تاوريرت عمرتها شعوب متتالية خلفت دينامية بشرية وحركية سكانية، سواء بتاوريرت أو البلاد المجاورة لها، خاصة تازا وأجرسيف وقفر كرط، ونخص هنا العناصر العربية الوافدة، منها ذوو عبيد الله الذين كانت مواطنهم بين تاوريرت وتلمسان إلى درعة، ثم ذوو منصور الذين استولوا على تاوريرت إلى درعة ثم ملوية إلى سجلماسة، وهم من معقل، وكان دخولهم إلى المغرب مع بني هلال، فكانوا في الغالب في خدمة بني مرين الذين ألحقوا الهزائم الكبيرة بذوي منصور، خاصة في عهد الأمير يعقوب بن عبد الحق وابنه الأمير يوسف. والأحلاف إحدى بطون معقل، كان لهم أثر في الأحداث التي شهدتها المنطقة الممتدة من تازا إلى تلمسان عبر تاوريرت وقفر كرط، منها ما كان أيام السلطان أبي يوسف المريني ومطاردته للسلطان أبي حمو حتى مقتله، حيث تعقبه إلى أن عرف بمكانه فأرسل وزيره ابن علال في عساكر بني مرين يسبقهم سليمان بن ناجي من الأحلاف ليبين لهم الطريق وسط القفر(3).

  • التأطير التاريخي

أفادت المصادر التي سبقت الفترة المرينية، أي قبل تأسيس قلعة تاوريرت خصوصا تلك التي جاءت على لسان الرحالة الجغرافيين، كابن حوقل وأبي عبيد الله البكري والشريف الإدريسي بأن تاوريرت كانت مركزاً تجارياً مهما في طرق تجارة القوافل الصحراوية، وأكد فوانو“(4) على لسان مارمول(5) كربخال بأنها كانت من المدن المهمة في المغرب قبل الفترة المرينية، مما يدل على أهمية المدينة من جهة وأقدميتها من جهة أخرى، وتاوريرت مدينة قديمة بناها الأفارقة على تل مرتفع قرب نهر زاع” (صاع أو زا أو صا) تحيط بها أراض زراعية معاشية، تحدها صحراء جافة، منها صحراء كرط شمالا وصحراء الظهرة جنوبا وصحراء أنكاد شرقا، حيث تحادي هناك مملكة تلمسان، صحراء تافراطة غربا والتي تطل على تازا“. ويبقى بناء مدينة تاوريرت من طرف الأفارقة ذا أهمية بالغة للدلالة على أقدمية المدينة، وفي غياب أي حقائق عن نشأة مدينة تاوريرت قبل العهد المريني، لابد من التسليم بقدمها وبأن بناءها يعود للأفارقة خلال الفترة التاريخية المذكورة، إذ كان المغرب الشرقي تحت إمرة آل خزر ثم الملكة الزناتية ديهيا زعيمة جراوا، وبعدها لولاة القيروان وبني سليمان بن عبد الله الكامل من دولة الأدارسة، ثم لبني أبي عافية، ثم لزيري بن عطية ثم للمرابطين(6). غير أنه لابد من الإشارة إلى أن تاوريرت كانت تابعة لإمارة نكور التي أسسها صالح ابن منصور في الريف الشرقي على عهد الأمويين، إذ امتد نفوذ الإمارة من الناحية السياسية والإدارية إلى واد زا حيث كان قاسم الوسياني، رئيس قبيلة مرنيسة والي نكور على تاوريرت آنذاك وساهم مساهمة فعالة في النزاع الذي دارت رحاه بين ذوي صالح بن منصور على العرش، فكان الساعد الأيمن لصالح وأحد أنصاره المقربين وعامله على صاع والكدية، وألح عليه في قتل أخيه إدريس الثائر ضده عندما تم القبض عليه حتى يقضي على الفتنة، واستجاب صالح وأمر بقتل أخيه(7)، وبهذا تكون تاوريرت جزء من الصراع السياسي الدائر آنذاك بين عدد من القوى، بحيث كانت تعيش تحت نفوذ موسى بن أبي عافية الذي غزى نكور سنة 317هـ/897م وخرب أسوارها، وللإشارة فإن نهر ملوية ظل موطن قبيلة مكناسة قريب من واد زا. أما في عهد المرابطين فلابد من الإقرار أنه لا نتوفر على معطيات عن مدينة تاوريرت خلال هذه الحقبة التاريخية وصولا إلى العهد الموحدي حيث تم تسجيل حدث مهم هو أن زعيم دولة الموحدين المهدي بن تومرت قد نزل بتاوريرت في طريق عودته من المشرق عبر وجدة حيث كان يدعو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد ذكر هذه الرواية البيدق الذي كان يرافقه في رحلته، حيث يروي أن المهدي استنكر حال النساء المزينات بالحلي وهن يبعن اللبن فنهاهن عن ذلك ثم تابع طريقه نحو أجرسيف(8)، لكن عندما تحولت الدعوة الموحدية لما هو سياسي تعرضت تاوريرت للتخريب من قبل المصامدة(9). أما على العهد المريني فقد حظيت تاوريرت بكبير الاهتمام من طرف المؤرخين أمثال عبد الرحمن بن خلدون وابن أبي زرع الذين كشفا عن عدد من الخبايا من تاريخ تاوريرت، منها أن واد زا كان بمثابة حد فاصل بين مملكتي فاس المرينية وتلمسان الزيانية، الشيء الذي بوأها ذلك الموقع الاستراتيجي وجعل منها محط نزاع بين عامل السلطان أبي يعقوب وفي جانبها الآخر عامل عثمان بن يغمراسن(10). ليستمر الصراع بين المملكتين لتكون تاوريرت ضحية هذه الغارات من هذا الطرف أو ذاك من أجل السيطرة على مناطق نفوذ بالمغربين الأوسط والأقصى، هكذا تمكن السلطان أبو يعقوب يوسف من طرد عامل عثمان بن يغمراسن من تاوريرت ودمرها وبنى الحصن الذي هناك إلى الآن وأحكم بناءه ووضع له أبواب من الحديد لصد أي تهديد زياني مرتقب بالمنطقة، أما عامل عثمان بن يغمراسن المطرود، انسحب شرقا ناحية وجدة واتخذ من الركادة مقرا جديدا لحكمه،(11) حيث أعاد ترتيب قواته وينال الدعم من تلمسان ليغير على بني مرين وينتقم من عثمان بن يغمراسن. ولعل الحسن الوزان المعروف بليون الإفريقي أفضل من تناول بالتفصيل الصراع المريني الزياني حول تاوريرت(12) خصوصا بعد أن استولى بنو مرين على مملكة الغرب، فأضحت رغبة المرينيين أكثر تشبثا بضم تاوريرت إلى مملكتهم، فاحتلوها ودمروا الجزء الذي يسكنه أعداؤهم، لكن وأمام انشغالهم بحروب مراكش وكل الحوادث التي كانت تحوف بدولتهم انصرف تفكيرهم عن مدينة تاوريرت فاستغل الزيانيون الفرصة للإغارة عليها وخربوها، وما كاد يعقوب المريني أن يستولي على مراكش حتى سارع إلى تاوريرت واستردها، وهكذا استبدلت تاوريرت رؤساءها عشر مرات في ظرف خمسين سنة، بين مملكتي فاس تلمسان، إلى أن لحق بها الدمار وهجرها ما تبقى من ساكنتها خلال هجوم أحد ملوك بني مرين، الملك المدعو أحمد المستقر بفاس سنة 780هـ، فأقطعوها لأحد رؤساء الأعراب، وبعدها هجروها في اتجاه ندرومة التابعة لملك تلمسان(13)، كل هذا يؤكد على أهمية ثغر تاوريرت عند ملوك بني مرين ومنهم أبو سعيد عثمان الذي أعاد بناء قصبتها سنة 721هـ/1301م وعززها بعدد من الجنود الرماة لمواجهة الزحف الزياني، ثم السلطان أبو الحسن المريني الذي استقر بتاوريرت عندما ثار ضد أخيه واتخذ من منطقتي تافراطة وواد زا خلفية عسكرية لصد أي هجوم مباغت من طرف الزيانيين مستغلين خلافه مع أخيه(14). واستمر إشعاع تاوريرت ومكانتها حيث عمد السلطان أبو يوسف إلى اتخاذ تاوريرت قاعدة لملكه رغم إعادة بنائه لوجدة واستقراره بفاس(15). هذا وقد اكتسبت تاوريرت أهمية بالغة جعلت السلطان أبو يعقوب يوسف يولي أخاه أبو بكر بن يحيى عليها، ثم من بعده في عهد المرابطين تولى محمد عثمان بن  تاشفين عليها سنة 761هـ،/1359م(16)، حدث هذا بعد أن سبق لبني عبد الواد الاستيلاء على تاوريرت بعد رفع الحصار عن تلمسان والذي دام 8 سنوات انتهى باغتيال السلطان المريني أبو يعقوب سنة 705هـ وتراجع السلطان أبو سعيد إلى تازا ليسترجع حصن تاوريرت بعد مدة ويأمر بترميمه وتقويته بالخيل والرجال(17)

  • حصن تاوريرت

لعل أهم عامل دعا لبناء حصن أو قصبة تاوريرت، أنه لم يعد في إمكان حصن أجرسيف مراقبة القبائل المتعددة بالمنطقة، الشيء الذي جعل أبو يعقوب يوسف يقرر بناء حصن تاوريرت سنة 1295م، وفي سنة 695هـ نزل أمير المسلمين يوسف بن يعقوب بن عبد الحق المريني، خلال خروجه لغزو تلمسان،  بحصن تاوريرت، وقد كان حينه ملكا على فاس، أما يغمراسن فكان ملكا على تلمسان، وفي هذه الأثناء أمر ببناء حصن تاوريرت، إذ شرع في بناء سوره مستهل شهر رمضان سنة 695هـ، ثم وضع له أبوابا مصفحة في 25 رمضان من نفس السنة، فكان الأمير يوسف يصلي الصبح ويقف على عملية بناء الحصن، وعند إتمامه ارتحل إلى تازا وأسكن نفرا من بني عسكر بحصن تاوريرت وجعل عليهم أخاه الأمير أبو يحيى حاكما، وفي السنة الموالية غزا تلمسان، أي سنة 385هـ ثم أعاد الأمير أبو سعيد عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني بناء حصن تاوريرت سنة 721هـ حين إقامته بحصن تازا، فجعل داخله عددا كبيرا من جنوده(18). وفي معرض حديثه عن ومدينة تاوريرت وعمرانها إلى أن لحقها الدمار والخراب من طرف المصامدة، فيتحدث الجغرافي الشريف الإدريسي عن حصن آخر غير بعيد عن قصبة تاوريرت هو حصن تابريدا الذي تشير القرائن أنه المنطقة المسماة الآن ملقى الويدان أوCamp Berteaux ، وقد تردد ذكر تابريدا في جل المصادر(19)

ويرد واد صا تحت إسم آخر، هو واد الشلف قبل أن يصبح واد صا، وقد نزل المولى إسماعيل السلطان العلوي بصا حين كان يهم بحرب الأتراك سنة 1089م (20).

وتؤكد جل المصادر التاريخية التي تزامنت والفترة المرينية وما بعدها على تأسيس قلعة تاوريرت كحصن عسكري من خلال الدور الذي لعبته في الصراع المريني الزياني، رغم تضارب آراء المؤرخين حول سنة تأسيس الحصن المريني الذي ظل رمزا للحياة بالمدينة، وقد أشار عبد الرحمن بن خلدون إلى بناء الحصن في سنة 694هـ خلال عزوات الأمير المريني أبي يعقوب يوسف في اتجاه بني عبد الواد بتلمسان، في حين جعل ابن أبي زرع بناء الحصن سنة 695هـ بالقول: “ثم دخلت سنة خمس وتسعين، فيها خرج أمير المسلمين يوسف لغزو بلاد تلمسان، فنزل بجانب حصن تاوريرت وكان نصفه لعثمان بن يغمراسن ونصفه لأمير المسلمين، لأنه كان الحد الفاصل بين بلادهما، فطرد منه عامل عثمان بن يغمراسن المذكور وأخد في بناء الحصن، فبدأ في بناء سوره في أول يوم من شهر رمضان من سنة خمس وتسعين المذكورة، فكان يصلي الصبح، ثم يقف على بنائه بنفسه ثم رجع إلى رباط تازة فعيد عيد الفطر على واد ملوية بعد أن أسكن بحصن تاوريرت المذكور قبيل بني عسكر، وقدم عليه أخاه الأمير أبي يحيا ابن أمير المسلمين يعقوب“(21). أما أبو القاسم الزياني فجمع بين ذكر ثلاثة حصون هي تاوريرت ودبدو وأجرسيف وذكر إنشاء قلعة تاوريرت في القرن 7هـ بينما قصبتي دبدو وأجرسيف في 700هـ (22)، بمعنى أن تاريخ بناء هذه القصبات لا يخرج عن التاريخ الذي أورده ابن خلدون باعتبار هذا الأخير عاش أحداث تلك الحقبة، وقد تم اعتماد روايته، ولربما كان بناء عدد من الحصون في فترة زمنية واحدة متقاربة، ويمكن أن ينضاف إليها حصن العيون سيدي ملوك ثم تم تجديد القصبة في عهد العلوين على يد المولى إسماعيل خلال إحدى حملاته لإخضاع القبائل الخارجة عن طاعة المخزن، فأنشأ القصبة لاستتباب الأمن، فأضحت قصبة تاوريرت ذات مكانة مهمة عل المستوى العسكري والتجاري والاستراتيجي، حيث أنزل بها 100 فارس من عبيده بعيالهم نهاية ق 17م، ونقل إليها جماعات من زرارة والشبانات العربية (23)، ولا تزال القصبة قائمة إلى زمننا هذا رغم ما لحقها من تلف وتصدع. ويمتد سور القلعة بشكل شبه دائري على طول 825.5 مترا، وقد اندثر جزء مهم من هذا السور يقدر بـ 539.5 مترا، وبقي حوالي 273 مترا بائنا يعمر حوله عدد من الأعراب منهم لكرارمة“(24) يستغلون الخصب من أراضيه رغم زحف الإسمنت على القصبة. ويمكن القول إن من بين الوقائع السياسية التي عززت مكانة قصبة تاوريرت هي لجوء علي الأعرج، أحد أبناء المولى إسماعيل إليها بعد النزاع الذي نشب مع أخيه عبد الله، فاستقر بين ساكنة تاوريرت الذين أكرموه وصاهروه وطاب مقامه بينهم عدة أعوام (25)، الشيء الذي خول للقايد بوزيان الشاوي فيما بعد قيادة قبائل تازا ونواحيها

ويتشكل سور القلعة من أبراج مربعة ومستطيلة ودائرية، يبلغ ارتفاعها 10 أمتار وعرضها حوالي مترين، و وباب عرضه حوالي 14 مترا وتشتهر القصبة حاليا باسم قصبة المولى إسماعيل، حيث كان ينعقد بها السوق الأسبوعي لينتقل في ما بعد إلى دار الشاوي، أحد قياد فترة الاستعمار الفرنسي، على ضفة واد زا بالمنطقة المسماة بني كولالنسبة لساكنتها الأمازيغ الزناتيين الذين فقدوا لسانهم الأمازيغي ، ثم توجه الجينرال ليوطي نحو تاوريرت التي استرعت اهتمامه بعد احتلال كل من وجدة والعيون ومستكمار، فأنشأ ثكنة عسكرية عند قدم جبل آزرو على ضفة واد زا مشكلا بذلك نواة تأسيس تاوريرت الحديثة غير بعيد عن تاوريرت الكدية القديمة.

أما شارل دو فوكو، الذي زار قصبة المولى اسماعيل بتاوريرت سنة  1883م، فلم يستطع مداراة إعجابه بها، فذكر موعد السوق الأسبوعي بتاوريرت كل إثنين عند دار الشاوي، نسبة للقايد الشاوي قائد جماعة لكرارمة، ويسمى إثنين واد زا أو إثنين لكرارمة، وهو سوق كبير يعرف رواجا بسبب إقبال قبائل الضفة اليسرى لواد ملوية السفلى، لأن فيضان نهر ملوية كان يحول في كثير من الأحيان دون ذلك، فيرتفع صبيب ملوية خلال الفترة الممتدة ما بين منتصف أبريل إلى منتصف يونيو فيستحيل عبور النهر، أما القصبة الإسماعيلية فكانت تحت سيطرة جماعة لكرارمة العربية، وتشكل ضفتا واد زا (بلاد زا) مجالا أخضرا حيث الزراعات والحقول، وبالتالي التجمعات السكنية التي هي عبارة عن دواوير تتشكل من عدة خيام منتشرة هنا وهناك، وعلى نهر زا تقوم قصبة السلطان المولى إسماعيل وسط خضرة البساتين، أسوارها ذات لون وردي تحوف بها الأشجار المثمرة من تين وزيتون ورمان والمجاري المائية في كل اتجاه، هذه القصبة تحمل أيضا إسم تاوريرت، تنتصب وسط ربوة حيث تتسع تدريجيا مشكلة سهلا صغيرا تتخلله عدة منحدرات ومصارف للمياه(26)، وذكر شارل دو فوكو تاوريرت في 20 موضعا تحمل جميعها ذات الدلالة الطوبونيمية الأمازيغية، نوردها كالتالي:

  • تاوررت حوض واد سوس(عبارة عن دوار ضمن مجموعة من الدواوير يحتلها أولاد يحيى على الضفة اليسرى لواد سوس إلى غاية تارودانت)
  • تاوريرت أيت يحيى، واد دادس، القريبة من أزدك حيث يوجد صرح آيث بوعمران على واد درعة
  • تاوريرت عقا
  • تاوريرت إيميني، من دواوير واد إيميني
  • تاوريرت مطرارا على الضفة اليسرى لواد زيز
  • تاوريرت واد منصور، من بين الدواوير التي يسقسها واد منصور
  • تاوريرت واد زا، وهي المدينة التاريخية التي تقع على واد زا وقد ارتبطت به
  • تاوريرت ورزازات
  • تاوريرت سكتانا، تتشكل ساكنة حوض سوس إلى واد درعة من قبيلتية كبيرتين هما جزولة وسكتانة فتتفرع عنهما عدة دواوير منها تاوريرت التي تنتمي لسكتانة
  • تاوريرت تازناخت، يعرف واد تازناخت أيضا تحت إسم واد آيث أوزانيف وهو يخترق عدة دواوير منها تاوريرت
  • تاوريرت تودغا، أي قصر تاوريرت الذي يوجد على واد تودغا
  • تاوريرت زكموزن، وهو دوار ضمن مجموعة من الدواوير قبيلة سميك يخترقها واد زجموزن المعروف أيضا باسم واد آيث أوبيال أو آيث عثمان
  • تاوريرت إيبوساس تقع ضمن بلاد مزكيتا وهي منطقة تضم ضفاف واد درعة، فتاوريرت تقع على الضفة اليسرى لواد إيبوساس
  • تاوريرت نـ إيمكيرن (colline des brigands) بين تيزي نتالوات وآيث بادو
  • تاوريرت إيزكماسن من قصور دادس على ضفة واد درعة
  • تاوريرت إيمرابظن، عبارة عن دوار ضمن مجموعة من الدواوير على ضفة واد سوس
  • تاوريرت، أوسليمان  بشتوكا
  • تاوريرت نـ وزناك، وهي قصر من جملة القصور الواقعة على ضفة واد تليت أحد روافد واد زديك
  • تاوريرت نـ تيليس، عند واد تيمكيسين (27)
  • أربعاء تاوريرت القريبة من مدينة الحسيمة والتي لم يرد ذكرها عند شارل دوفوكو

والجدير بالذكر أن جل القصبات تتشابه في كثير من مقوماتها ومعالمها ، أما قصبة تاوريرت فهي تشبه إلى حد كبير قصبة مكناس وقصبة تادلة، وبالتالي فبناء قصبة تاوريرت جاء ضمن سلسلة من القصبات بنفس المنطقة الفاصلة بين مملكتي تلمسان وفاس، منها دبدو والعيون سيدي ملوك التي كانت مقرا لإقامة قايد السجع الشيخ احميدة الشركي الحاكم هناك، وتم ترميمها في عهد المولى الحسن سنة 1876م، بعدما تعرضت للتخريب، بمعنى أن جل القصبات كانت معرضة للتخريب والدمار بسبب موقعها وأدوارها العسكرية والاقتصادية(28).

ويؤكد المؤرخ ابن أبي زرع، الذي عاصر السلطان أبو يوسف الذي طرد عامل عثمان بن يغمراسن واختط الحصن الذي هناك لهذا العهد، أن بناء قصبة تاوريرت دام 25 يوما، وذلك سنة 695هـ (29) حيث شرع في بنائها في أول يوم رمضانففرغ من تشييده وبنائه وركبت أبوابه مصفحة بالحديد .. وقد حرص السلطان على إتمام بناء الحصن، حيث مكث بتاوريرت مدة بنائه، فكان يصلي الصبح ثم يقف على بنائه بنفسه“(30).

رغم كل هذا الثقل التاريخي الذي وسم تاوريرت، فإنها لم تنل المكانة التي تستحقها كامتداد لهذا التاريخ العريق، فبالإضافة للتخريب الذي ظلت عرضة له بسبب الحروب والمنافسة خلال الصراع المريني الزياني، يمكن القول أن فترة الاستعمار الفرنسي كانت أيضا نقمة عليها بسبب تحويلها إلى موقع آخر من طرف الجينرال ليوطي الذي عمد لتشكيل نواة عسكرية غير بعيدة عن المغرب الأوسط لتتحكم في بلاد الريف أو جزء من هذه الأرض التي غزاها الإسبان وتكون لفرنسا عين هناك وموطئ قدم غير بعيد عن ملوية. فأنشأن محطة اللاسلكي وحيا سكنيا يأوي عددا من الفرنسيين واليهود وبعض من الرعايا الجزائرين، لتتشكل تاوريرت الحديثة بدل تاوريرت الكدية، وهي نواة لا تعدو ثكنة عسكرية لا أفق عمراني أو مدني لها.

+++++++++++++++

الهوامش

 

1ـ أبو القاسم ابن حوقل النصيبي، صورة الأرض، منشورات دار مكتبة الحياة بيروت، 1996، عدد الطبعة غير مثبت، ص 88

2ـ أبو عبيد البكري، المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب وهو جزء من كتاب المسالك والممالك، مكتبة المثنى بغداد، ص90 (السنة وعدد الطبعة غير مثبتان).

3ـ أعتقد أنه يقصد قفر كرط بالريف الشرقي المغربي لأنه المكان الطبيعي الذي يمكن أن يفر إليه السلطان أبو حمو حسب الوصف الجغرافي الذي أورده عبد الرحمن بن خلدون للمنطقة في كتاب، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ج6، دار الفكر، بيروت، 2000، ص. 283

4- Luis VOINOT, Oujda et L’Amalat, étude typographique, Oran, 1912

5ـ مارمول كرفخال، افريقيا، ترجمه عن الفرنسية: محمد حجيمحمد زنيبرمحمد الأخضرأحمد التوفيقأحمد بنجلون، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرباط،1984

6ـ قدور الورطاسي، الأنيس المطرب في تاريخ شرق المغرب منذ عهد الكاهنة ديهيا إلى سنة 1956، مطبعة الرسالة، الرباط

7ـ مصطفى أبو ضيق الحميريون اليمنيون ببلاد الريف، المغرب الشرقي بين الماضي والحاضر الوسط الطبيعي التاريخ والثقافة/منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سلسلة ندوات ومناضرات رقم 2/1986، ص. 275

8ـ أبو بكر بن علي الصنهاجي المكنى البيدق أخبار المهدي بن تومرت وبداية دولة الموحديندار المنصور للطباعة والوراقة، الرباط ، 1971،  ص.24

9ـ الشريف الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة 1994م/1414هـ، المجلد الأول ص.247، وتبقى الأسباب الحقيقية لتخريب مدينة تاوريرت من طرف الموحدين مجهولة دون أن يتحدث عنها الشريف الإدريسي الذي عاصر كل تلك الأحداق.

10ـ عبد الرحمن بن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العجم والبربر ومن عاشرهم من ذوي السلطان الأكبر، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت 1992، ج6، ص.260

11ـ قدور الورطاسي، معالم من تاريخ وجدة، مطبعة الرسالة، الرباط، 1972، ص. 34-35 

12 الحسن بن محمد الوزان الفاسي، وصف إفريقيا، ت. محمد حجي ومحمد الأخضر، ج1+2، دار الغرب الإسلامي، لبنان، ط.1، 1983

13ـ نفسه، ج1، ص. 349-150

14- Le fevre et Nehlil, p. 155

15ـ قدور الورطاسي، م. س ، ص. 34-35

16ـ الموسوعة المغربية للإعلام البشرية والحضارية، معلمة المدن والقبائل، عبد العزيز بن عبد الله، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط 1977، ج2، ص. 139

17ـ (روض القرطاس) (ابن خلدون في كتاب العبر…..، دار الكتاب اللبناني، 1968، ج. 7، ص. 429)

18ـ ابن أبي زرع الفاسي، الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، دار المنصور للطباعة والوراقة، الرباط، 1972، ص400و401

19ـ الشريف الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الأفاق، مطبعة بريل ليدن، 1863، ص. 80

20ـ خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1954، عدد الطبعة غير مثبت. ج7، ص59

21ـ علي ابن أبي الزرع، م. س ….

22ـ أبو القاسم الزياني، الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور براً وبحراً، ط2، دار نشر المعرفة الرباط، 1991

23ـ أبو القاسم الزياني، البستان الظريف في دولة أولاد مولاي علي الشريف، القسم الأول، دراسة وتحقيق، رشيد الزاوية، ط. 1، مركز الدراسات والبحوث العلوية، 1992، ص. 164

24ـ عرف بنو هلال على أنهم قطاع طرق، وكانت مواقعهم بالطائف في جبل غزوان، وكانوا يعتدون على الحجاج خلال موسم الحج، هم وبنو سليم حتى كثرت الشكايات بهم للخليفة ببغداد. ولما انتصر العزيز على القرامطة قام بإجلاء بني هلال إلى الضفة الشرقية من نهر النيل بصعيد مصر، وهم جشم، والأثبج، وزغبة، ورياح، وربيعة، وعدي. ولما كان عهد الخليفة الصنهاجي المستنصر معز بالقاهرة ولايهتم أمر أفريقية سنة 441هـ، هكذا نزلوا بمصر فخربوها هم وبنو سليم، واقتسموا البلاد، فكان لهلال الغرب ولسليم الشرق، ثم استمالهم الصنهاجيون للاستقواء على غيرهم، فانتشروا في البلاد كالجراد، أتوا على الأخضر واليابس، وعثوا في الأرض الرعب والفساد، فاستباحوا الأرض والعرض، وخربوا المدن (عبد الرحمن ابن خلدون، م. س، ص من 18 إلى 20)، (ذكره أيضا خالد الناصري في كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1954، عدد الطبعة غير مثبت. ج2، 159و169وص160، حيث يعتبر ذوي منصور فرعا من بني معقل، وقد استوطنوا تاوريرت واستولوا على ملوية كلها، ثم أشجع بن ريث بن غطفان الذين كانوا يظعنون مع بني معقل في سجلماسة وملوية)

25ـ أبو القاسم الزياني، البستان، م. س ، ص. 260

26- Charles De Foucault, Reconnaissance au Maroc (1883-1884), Challamel et Cie Editeurs, 1888,  T2, p. 230-231

27- Ibid, T2, p. 331-216-120-279-352-325-230-280-328-281-220-327-28786-270-334-182-302 

28- Ibid, T1, 250        

29ـ علي بن أبي زرع الفاسي، م. س ، ص. 385

30ـ نفسه، ص. 385، ثم عبد الرحمن بن خلدون في كتاب العبر…..، دار الكتاب اللبناني، 1968، ج. 7، ص. 45

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*