احدث المقالات
الرئيسية > الحدث > الحدث الجهوي > الجوهرة السوداء بين فكي الحراك والمزايدات السياسية: إلى أي حد تجاوبت الدولة مع ساكنة جرادة؟

الجوهرة السوداء بين فكي الحراك والمزايدات السياسية: إلى أي حد تجاوبت الدولة مع ساكنة جرادة؟

ملف من إعداد: حفيظة بوضرة: إذا كان من المؤسف أن تقوم الجهات المعنية دوما بدور الإطفائية بدل القيام بدور الاستباقية لحل الأزمات الاجتماعية في إطار تدبير استشراف للشأن العام، فإنه مع ذلك يبقى الوصول المتأخر خير من عدمه. في هذا الملف وبعد تناول حراك الجوهرة السوداء من مختلف الجوانب، وسرد مطالب الساكنة التي أججها وفاة شقيقين في آبار الموت المعروفة بالساندريات، نتساءل اليوم عما قدمته الجهات المعنية بتدبير الأزمة جهويا ومركزيا، وهل استطاعت أن تكون في مستوى اللحظة للتجاوب مع الحراك وتلبية مطالب ساكنة المدينة المنجمية بامتياز، مدينة غطتها النفايات وعمتها البطالة وصدحت حناجرها للمطالبة بالبدائل الاقتصادية؟.

عندما انتفضت ساكنة جرادة ضد الإهمال الذي يعرفه الإقليم، وبدت ملامح حراك اجتماعي تتبلور في الأفق، شمر المسؤولون الإقليميون والجهويون والمركزيون عن ساعد الجد لمحاولة الوقوف على خصاص الإقليم وحاجيات ساكنته، فتم تخصيص لقاءات ماراطونية مع المجلس الإقليمي والجماعي والأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني، فضلا عن زيارة وزير الطاقة والمعادن والوفد المرافق له. فهل استطاعت زيارات المسؤولين الجهويين والمركزيين أن تضع أصابعها على مكامن الخلل ومحاولة رصد مجموعة من التدخلات الآنية والمستقبلية؟

المؤكد، أن حراك الجوهرة السوداء مر في جو من المسؤولية والوطنية، بالنظر إلى طبيعة المدينة النقابية ومنسوب الوعي المرتفع، وكان الجميل فيه أنه كان كطائرة بدون طيار، وقودها الفقر والتلوث…حراك أكدت من خلاله الساكنة صدقية وطنيتها في أرقى قيم المواطنة، كما أشار إلى ذلك الوزير الرباح نفسه في جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب المنعقدة يوم الثلاثاء 09 يناير الجاري، جوابا على أسئلة النواب الخاصة بمدينة جرادة، حيث قال:”إن المحتجين في جرادة قدموا درسا في المطالبة بالحقوق، والاحتجاج في إطار الوطن بطريقة منظمة وحضارية وبالنشيد الوطني وصور جلالة الملك”، مضيفا أن “الجواب كان في إطار الوطن بطريقة حضارية، تمثل في تجاوب ممثلي الدولة بإيجابية من خلال الإنصات والحوار”.

ترى ماذا تحقق فعلا على أرض الواقع؟

تحركات للتجاوب مع الحراك ودراسة المطالب

كانت البداية بتحرك السلطات الجهوية والإقليمية، حيث استمعت لفئة الشباب وممثلي النقابات، فترك والي الجهة بتعليمات من وزير الداخلية صوب المدينة للوقوف على مطالب الساكنة، وتم رفع الخلاصات للحكومة التي تحرك رئيسها بإيفاد وزيره في الطاقة والمعادن على رأس وفد هام للمدينة يومي الأربعاء والخميس 3و4 يناير، وبعد انتهاء زيارة الوزير، استمرت هذه اللقاءات لتشمل ممثلي عمال الساندريات، باعتبارهم المعنيين بالحراك، وأيضا من أجل قطع الطريق عن الوسطاء الذين غالبا ما كانوا يطمسون الحقائق، ولاتصل احتجاجاتهم  ومطالبهم بالشكل المطلوب، مما مكن الجهات المعنية من بلورة برنامج عمل استعجالي ضم ثلاثة محاور رئيسية تتوزع  بين التزامات وزارة الطاقة والمعادن، والتزامات باقي القطاعات الحكومية، ثم تبني مفهوم الحكامة لتتبع وتنفيذ برنامج العمل.

وبخصوص المحور الأول، تم التنصيص على إحداث لجنة برئاسة الوزير لتتبع ما تبقى من الاتفاقية الجماعية، وفتح تحقيق في إطار عملية تصفية مفاحم المغرب، وحل مشكل مجموعة 57 و59 المطرودين، ثم دراسة إمكانية الرفع من الإيرادات بالنسبة للمستخدمين السابقين بمفاحم المغرب، وإخضاع حوالي 300 شخص منهم للتأمين الاختياري.

أما التزامات قطاع المعادن، فقد أكد مصدر رفيع لجريدة، أنه تم بشأنه الاتفاق على إحداث مندوبية للطاقة والمعادن بالإقليم وإطلاق صفقة لطمر الآبار غير النشيطة التي يبلغ عددها حوالي 3200 من أصل 3500 موجودة، وقد رصدت جهة الشرق مبلغ 4 مليون درهم لهذه العملية التي سوف توفر بعض فرص الشغل للساكنة، فضلا عن إعداد دراسة للتخريط الجيولوجي للمنطقة قصد تثمينها لمعرفة مدى إمكانية الاشتغال بها، وظروف السلامة المتوفرة.

وبشأن قطاع الكهرباء، سجل ذات المصدر عزم السلطات إنشاء محطة حرارية خامسة بجرادة، وإحداث محطة للطاقة الشمسية بعين بني مطهر، مع إعطاء الأسبقية لأبناء المنطقة في المحطتين، واعتماد الفوترة الشهرية بالنسبة للكهرباء، والتعامل مع الأشطر لتصبح أشطرا اجتماعية، وتسهيلات في أداء المستحقات وإمكانية اعتماد عدادات ذات الدفع المسبق.

وفيما يتعلق بقطاع البيئة، تم التعهد بإنجاز دراسة لتثمين النفايات المعدنية، والتي تصل إلى 20 مليون طن، عبر دراسة الجدوى، من أجل استعمالها أو طمرها، وتشجير أماكنها، إضافة إلى تعميم التطهير السائل على مختلف المراكز الحضرية بالإقليم، مع إنشاء محطتين للمعالجة، وإحداث مطرح للنفايات المنزلية، وآخر للنفايات الرمادية المقدرة بحوالي (400 طن)، والغبار الناتج عن اشتغال المحطات الحرارية، إلى جانب اقتناء معدات لتخفيض الضجيج، وشق قناةلصرف المياه المستعملة بالمحطة الحرارية، فضلا عن تشجير ضواحي المدينة بحوالي 10 آلاف شجيرة، مما سيوفر أيضا فرص شغل جديدة لأبناء المنطقة، في إطار الانتقال إلى بدائل اقتصادية للمدينة.

أما قطاع التشغيل، فقد حظي باهتمام المسؤولين، حيث أعطيت الأسبقية لأبناء المدينة في فرص الشغل التي توفرها المحطات الحرارية، وخلق تعاونيات للعمل في إطار مناولة مع المكتب الوطني للكهرباء، ودعم وتمويل المشاريع الصغرى، وخلق وحدات إنتاجية فلاحية بالإقليم، مع إمكانية تعبئة العقارات السلالية لفائدة ساكنة الإقليم.

وشكل تسريع وتيرة إنجاز المشاريع المتعلقة بالتأهيل الحضري، وفك العزلة وتعزيز البنية الطرقية، وإنجاز ملاعب القرب والمركبات السوسيو ثقافية أهم التدخلات في مجال النيات التحتية.

ولأن مدينة جرادة تضم العديد من مرضى السحار الرملي “السيليكوز”، يبقى قطاع الصحة من أهم القطاعات التي ينادي سكان المدينة بتطويرها وتثمين خدماتها، وفي هذا السياق سيتم تمكين العاملين بالساندريات والآبار من العلاج المجاني والفحص الطبي، وتوفير سيارتي إسعاف من طرف المكتب الوطني للكهرباء، ووضعهما رهن إشارة مندوبية الصحة، فضلا عن تعزيز الموارد البشرية بالمستشفى الإقليمي، وإحداث تخصصات جديدة.

إذا كانت هذه مجمل التزامات وزارة الطاقة والمعادن، فإن ثمة قطاعات حكومية التزمت بتنزيل برنامج لايقل أهمية عن سابقه من بينه التزامات وزارة الفلاحة عن طريق إنجاز مشاريع فلاحية لفائدة الشباب، وتوسيع المدار السقوي بالإقليم، ودعم المنتوجات الفلاحية المحلية وتثمينها.

ويظل إعداد برنامج تنموي لفائدة الإقليم على المدى القريب والمتوسط، وتثمين المواقع السياحية (تكافايت-تيسورين-الشخار)، مع إنجاز فضاء رياضي بتيسورين أهم التزامات وزارة السياحة.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد قام مدير الوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات بزيارة للإقليم، أين تمت دراسة مجموعة من الملفات لخلق فرص الشغل، حيث تم في هذا الصدد تسجيل 600 امرأة للعمل الموسمي بإسبانيا، وهي عملية تخص بالأساس الشباب والنساء، فضلا عن تشجيع العمل في الأقطاب الصناعية طنجة والقنيطرة، وكذا التعاقد مع مستثمرين من أجل تشغيل اليد العاملة الوافدة من جرادة.

ولضمان تنزيل محكم لهذه البرامج، لابد من اعتماد آليات الحكامة والتتبع، وهذا ما يعبر عنه المحور الثالث الذي يضم إحداث لجنة جهوية للقيادة برئاسة الوالي وممثلي مختلف القطاعات، وإحداث لجن قطاعية للتتبع والتنسيق، زيادة على إحداث لجنة إقليمية للتتبع بمشاركة ممثلي الساكنة أنفسهم.

آخر الكلام

كل ما نرجوه إذن ونتمناه، أن تكون هذه السنة الجديدة، سنة تكريس مبدأ الحكامة، وسنة الإقلاع الاقتصادي بهذه المدينة الصامدة، أخذا بعين الاعتبار الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وهو ما تم التعامل معه بالشكل الأنسب من خلال الإنصات المثمر لانتظارات مختلف شرائح المجتمع، بغية الانخراط في مسلسل التغيير المنشود، ما دام الأصل في الحراك هو تحقيق وتنزيل المطالب خدمة للساكنة والمواطنين في إطار الوطن أولا وثانيا وللأبد، بعيدا عن كل المزايدات السياسية التي تروم الركوب على هذا الحراك الاجتماعي، دون أن تقدم بديلا يذكر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*