الرئيسية > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: في الحاجة إلى قرارات سياسية جريئة

الافتتاحية: في الحاجة إلى قرارات سياسية جريئة

بقلم: عبد المنعم سبعي
خصص أحد المواقع الالكترونية الوطنية مقالا للحديث عن الركود الذي تعرفه أسواق وجدة، وتناول الموضوع جانبا من معاناة التجار ومشاكلهم المتفاقمة التي باتت تهدد استقرار التجار وضمان عيش هنيء لهم ولأفراد أسرهم، تراكمت عليهم الديون وعجزوا عن سدادها، وتناسلت الضرائب ولم تأخذ إدارتها بعين الاعتبار المرحلة الحرجة التي يمر بها الوضع التجاري لأسواق وجدة، خصوصا بعد تجفيف منابع التهريب بطول الشريط الحدودي مع الجزائر. قال التجار المستجوبون في هذا الاستطلاع كلمتهم وطالبوا كما بات يطالب كل عاقل لبيب بضرورة الاهتمام بمشاكل الجهة والتفكير الجدي لإخراج اقتصاد جهة الشرق من هذا الركود الذي لاينكره عاقل. وقبل حوالي سنتين من هذا التاريخ صدح تجار وجدة بمثل هذه الآهات، بمقر الولاية عندما كان مجلس العمالة ينوي إخراج النسخة الأولى لمهرجان التسوق بوجدة، ولم يكلفوا أنفسهم عناء في ذلكم اللقاء لاختيار الكلمات المنمقة والعبارات اللطيفة من أجل بسط قضاياهم وطرح مشاكلهم، وتجاوزوا بأسلوبهم الخاص، مرحلة الخوف التي كانت تجبر كل متحدث على التعبير عن مقطع ” قولوا العام زين ” وهذه محطة مهمة نخالها من حسنات الانخراط الواسع للمغرب في المجال الحقوقي و السياسي.
لابد أن نعترف بأن أمام الجهة الشرقية تحديات كثيرة وسط سحابات كثيفة من الغيوم التي تحيط بأقاليمها الثمانية، وكل القوى الحية تعيد حساباتها وتحاول أن تمسك باللحظة التاريخية قبل أن تفلت منها.. نحن أمام أطلال ربوع سوف تحتاج زمنا حتى تستعيد نفسها وأمام جشع وأطماع لا احد يعرف مداها خاصة أنها تجاوزت حدود السياسة وحساباتها ودخلت بقوة في حسابات الأرض والجغرافيا والبشر.. نحن أمام لوبيات سياسية واقتصادية أصبحت تهدد التاريخ والاقتصاد والماضي والثوابت.. نحن أمام شباب كانت له أحلام كبيرة في مستقبل آمن ومزدهر، هذا جزء من الصورة التي تحيط بنا وإذا لم تكن قاتمة فهي لا تطمئن، وإذا لم يكن المستقبل جزءا أصيلا فيها فإنها تهدد الحاضر خاصة أننا لم نعد نملك كل شيء فيه..
لا أدري في أي زمان ومن أي العقول دار هذا السؤال .. إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن بقوة على الوجديين وغيرهم من سكان مدن وقرى جهة الشرق، هل ما زالت هذه الجهة محسوبة على المغرب غير النافع؟ .. إن الشيء المؤسف والمؤلم في وقت واحد أن أعناقنا تشرئب دائما إلى فتح الحدود مع الجارة الشرقية وأعيننا وأيدينا تمتد دائما خارج حدودنا كلما عصفت بنا مواكب الركود والبطالة وقلة ذات اليد ..
كان الاقتصاد غير المهيكل إحدى مظاهر هذا الركود وقد تمادينا فيه حتى أوشكنا أن نصل إلى درجة الاختناق، فليس بعد ضرب شباب الجهة الأرقام القياسية في البطالة من جريمة في حق أمل الأمة وعمادها، وليس بعد إغراق مؤسسات ومقاولات هذه الجهة بمزيد من المراجعات والضرائب من مقوض حقيقي لفرص التشغيل والتشغيل الذاتي.
مازلنا حتى الآن نتصور أن الحلول الورقية للأزمات والمشاكل يمكن أن تغنى عن المواجهات الحقيقية لمنظومة الفساد التي دمرت قدرات أبناء هذه الجهة واستباحت ثرواته في سنوات التحايل، وما زلنا نتخبط مع تخبط الحكومة في البحث عن مزيد من المداخيل لصالح خزينة الدولة ولو كان ذلك بعدم الأخذ بعين الاعتبار لخصائص الجهة ولأدوارها البطولية في الدفاع عن الوحدة الترابية، ونسينا أن اقتصاد جهة الشرق ينبغي أن يحظى بامتيازات تعوضه بعضا مما يعانيه جراء موقعه الحدودي وتعنت الجيران وبعده عن المركز.
إن بعض الإشارات التي يلتقطها مواطنو هذه الجهة في مختلف القطاعات تدفع بهم إلى الاعتقاد أننا ما زلنا محسوبين على المغرب غير النافع، فكيف يستسيغ سكان هذه الجهة التي كان يصلهم البنزين الجزائري بنصف ثمنه في السوق الوطنية أو أقل، أن يكون ثمنه هو الأغلى على الصعيد الوطني بسبب البعد عن المركز؟، وكيف يستسيغ سكان هذه الجهة التي عرفت أولى محطة قطار في المغرب أن تبقى السكة الحديدية لحد اليوم تشتغل بالبنزين عوض الكهرباء، وأن ينتقي المكتب الوطني للسكك الحديدية أرذل القطارات وأبطأها ليخصصها للخطوط الرابطة وجدة بباقي المدن الأخرى؟ وكيف يستسيغ معطلو هذه الجهة من حاملي الشهادات غياب المباريات والمؤسسات الإنتاجية عكس ما تشهده جهات الوسط والغرب؟
إن الأعباء التي تعانى منها جهة الشرق أعباء ضخمة، وإذا كانت الحكومة تفرض الكثير منها على أبناء هذه الجهة التعساء فقد تقاعست كثيرا في توفير شيء من العدالة في توزيعها بين مختلف أبناء الجهات الأخرى، وإن التخلي في هذه اللحظة التاريخية عن المشاركة في إعادة الأمل لأبناء هذه الجهة جريمة تاريخية بكل المقاييس وعلى الحكومة أن تكون صريحة وواضحة أمام مؤسسات الدولة تجاه جهة فقيرة.. إن إعادة الروح لهذه الجهة لا ينحصر في إقامة بعض المنشآت أو تجديد المدن أو شق شبكة الطرق، ولكن هناك أعباء اكبر تحتاج إلى المال والجهد والعمل والإنتاج، وقبل ذلك كله تحتاج للإرادة ولابد أن يكون المواطن في صدارة المشهد فليس أمامنا اختيارات أخرى غير أن نلحق بالمستقبل لأنه لن ينتظرنا كثيرا.
اخطر الأزمات التي يعانى منها شباب جهة الشرق الآن هي إفلاس الأحلام وانه لا يجد من يسمعه..إن أحلام شبابنا فقيرة جدا وضاقت حوله الأشياء حتى أصبح يشعر باختناق في كل شيء..إن الفقر والحاجة تطاردانه طفلا فى المدرسة وتطاردانه شابا في الجامعة، والأخطر من ذلك كله أن يكبر لديه حلم فى وظيفة أو منصب لأن كل الطرق مغلقة..أجيال الآباء الآن تبخل على الأبناء بالحلم ويقولون إنهم شباب تافه رغم أن الآباء لم يكونوا عباقرة والدليل أنهم الآن يسلمون للأجيال الجديدة جهة مهلهلة فى اقتصادها وتنميتها..ادعاء الطهارة ليس دائما يقوم على الحقائق..الآباء لم يكونوا عباقرة والأبناء ليسوا عاجزين كما يدعى البعض..
هذه الأفكار دارت في رأسي وأنا أتابع المشهد المزدحم والمرتبك بكل ما فيه من الغيوم وقد وصلت إلى حقيقة مع نفسي أن جهة الشرق لن يبنيها إلا أبناؤها وإننا سنطرق كل الأبواب ونسلك كل الطرق وسوف نعود مرة أخرى إلى نقطة البداية أن نعترف لهذه الجهة بتضحياتها وصبرها ونقر أن جهة الشرق في حاجة إلى قرارات سياسية جريئة تعترف لأبنائها بالصبر والتحمل، كما أنها في حاجة إلى أيدي أبنائها القادرين ولا أدرى إلى متى يتماد ى هؤلاء في العناد وهل يعاندون أنفسهم أم يعاندون وطنهم الذي منحهم كل شيء.. إن الأموال التي كدسها البعض من الجهة ويبخلون بها اليوم لإنشاء المصانع وفتح المؤسسات الجديدة حق في رقابهم لهذا الوطن إلى يوم القيامة.. إن الأزمة الحقيقية أننا نعرف مشاكلنا وندرك حجم أزماتنا ونعرف أيضا من قدم لهذا الشعب كل شيء ومن بخل عليه بأي شيء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*