احدث المقالات
الرئيسية > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الاحمر: المواطن المغربي بين سندان سنة خالية ومطرقة سنة حالية

الخط الاحمر: المواطن المغربي بين سندان سنة خالية ومطرقة سنة حالية

زهر الدين طيبي: ونحن نستقبل عاما جديدا نتمنى أن يكون فاتحة خير على الوطن والمواطنين، نتساءل عن المستجدات التي طبعت المشهد السياسي والحزبي المغربي خلال سنة 2017، وكيف يمكن قراءة سقوط زعامات سياسية حزبية ظلت لسنوات تؤثث المشهد السياسي المغربي؟
لا شك أن سنة 2017 ستبقى عالقة بذاكرة المغاربة وتاريخ المغرب السياسي بعد دستور 2011، فهي السنة التي عرفت أول وأطول “بلوكاج” سياسي في تاريخ كل الحكومات المغربية، كما عرفت تراشقا بالبلاغات والبلاغات المضادة، قبل تشكيل الحكومة الثانية في ظل الدستور الجديد، بل وتجاوزت التراشق بالبلاغات لحد التراشق بالصحون الطائرة أثناء تغيير بعض الأحزاب لزعاماتها.
لقد واجه عبد الإله بنكيران، الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، ورئيس الحكومة المعين، صعوبة كبيرة في تشكيل حكومته الثانية رغم فوز حزبه بانتخابات 6 أكتوبر 2016 وتصدرها بعدد مقاعد يفوق كل التوقعات، وعاش المشهد السياسي المغربي بعد الاستحقاقات البرلمانية حدث “البلوكاج” السياسي الذي بدأ على وقع التراشق بين أهم مكونين في التحالف الحكومي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار، وهو الأمر الذي أطال من عمر “البلوكاج” لستة أشهر، انتهت بإعفاء بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة ليجد نفسه خارج المفاوضات، بعد تعويضه بسعد الدين العثماني.
وفي ظل انقسام كبير بين مؤيدي حميد شباط الأمين العام السابق لحزب الاستقلال وغريمه المنافس القوي نزار البركة المدعوم من الرجل القوي حمدي ولد الرشيد، دخل مناضلو حزب الاستقلال مؤتمرهم لتندلع حرب صحون بين أعضاء الحزب خلال وجبة عشاء في اليوم الأول من المؤتمر، الذي أنهى أشغاله بانتخاب نزار بركة أمينا عاما للاستقلال خلفا لحميد شباط. كما عاش حزب العدالة والتنمية مند إعفاء أمينه العام عبد الاله بنكيران وتعيين العثماني بديلا له، على وقع نقاشات واسعة حول صيغة الحكومة وطريقة تشكيلها وفقدان الحزب لأهم القطاعات الاستراتيجية، ما أدى إلى رفع مطالب بالولاية الثالثة للأمين العام عبد الإله بنكيران، وهو ما دفع بعض المحسوبين عليه للدفع في اتجاه تغيير القانون الداخلي للحزب الأمر الذي رفضه التيار المحسوب على حركة التوحيد والإصلاح وتيار الاستوزار، ما قطع الطريق على الولاية الثالثة لبنكيران خلال مؤتمر الحزب الذي توج سعد الدين العثماني أمينا عاما للعدالة والتنمية خلفا لبنكيران.
وفي الضفة الأخرى تم التصويت بالتصفيق على المرشح الوحيد، ادريس لشكر كاتبا أول لولاية ثانية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيما قرر إلياس العماري الاستقالة من الأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، قبل التراجع عليها حتى إشعار آخر. ترى هل فعلا انتهى زمن الشعبوية؟ وهل تكون الزعامات الحزبية الجديدة قادرة على تحريك المشهد السياسي نحو الأفضل؟ ذاك ما ننتظره خلال العام الذي نستقبله.
من ناحية أخرى، وإذا كان لنا أن نقوم برصد لحصيلة العام الذي ودعناه على المستوى الاجتماعي، فإنه يحق لنا أن نقول بأنه عام بداية محاربة الفساد، وتنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. من حراك الحسيمة إلى عطش زاكورة مرورا بفاجعة الصويرة وصولا إلى آبار الموت بجرادة، تعددت الأشكال والفساد واحد، إذ لا فرق بين موت شهيدات سيدي بولعلام بالصويرة من أجل كيس دقيق أبيض، وموت شقيقين من أجل كيس فحم أسود بجرادة، ما دام الموت واحد والفقر واحد.
لقد أكد جلالة الملك في خطاب العرش سنة 2016‘ على أن محاربة الفساد، لا يجب أن تكون موضوع مزايدات، عندما قال:”الفساد ليس قدرا محتوما، ولم يكن يوما من طبع المغاربة، غير أنه تم تمييع استعمال مفهوم الفساد، حتى أصبح وكأنه شيء عادي في المجتمع، والواقع أنه لا يوجد أي أحد معصوم منه، سوى الأنبياء والرسل والملائكة، وهنا يجب التأكيد أن محاربة الفساد لا ينبغي أن تكون موضوع مزايدات، ولا أحد يستطيع ذلك بمفرده، سواء كان شخصا أو حزبا، أو منظمة جمعوية، بل أكثر من ذلك ليس من حق أي أحد تغيير الفساد أو المنكر بيده، خارج إطار القانون، فمحاربة الفساد هي قضية الدولة والمجتمع: الدولة بمؤسساتها، من خلال تفعيل الآليات القانونية لمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة، وتجريم كل مظاهرها، والضرب بقوة على أيدي المفسدين”. انتهى كلام جلالة الملك.
لن نجانب الصواب إذا قلنا بأن إفلاس قطاعات التعليم، الصحة، والإدارة، ومضاعفة الفقر والجريمة، هو نتاج مباشر للفساد وغياب المحاسبة، ما يؤدي إلى سرقة المال العام وتبديد موارد وثروات الدولة وتكتل الثروة عند أقلية غير منتجة، بواسطة الريع السياسي والمناصب العليا، وهو ما يفضي إلى تعميق الفوارق الطبقية في المجتمع. لقد كشف المجلس الأعلى للحسابات خلال السنة التي ودعناها، عن الكثير من الاختلالات المرتبطة بغياب النجاعة وعدم تحمل المسؤولية سواء السياسية أو الإدارية في تدبير الشأن العام، واستغلال السلطة والنفوذ من أجل خدمة المصلحة الخاصة ضدا على المصلحة العامة، كما أن تعثر المشاريع التنموية، واستمرار تأزم الوضع الاقتصادي والاحتقان الاجتماعي، هو ما ميز سنة 2017، بسبب تهافت المسؤولين على مصالحهم الخاصة وضعف النخب السياسية في تدبير الشأن العام للمواطنين، وإذا كانت مناهضة الفساد هي مسؤولية الجميع، فإن أول الطريق إليها بدأت فعلا بتنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولن تنتهي حتما، بغير محاسبة المفسدين وناهبي الملايير من المال العام.
إذا كان هذا هو حال العام الذي ودعنا، فإننا نتساءل عن العام الجديد وما يحمله للمواطن البسيط، متى تفكر الحكومة في السلم الاجتماعي؟ وإلى متى تستمر في الإجهاز على القدرة الشرائية للمواطنين؟ وماذا قدمت بالملموس للطبقات الفقيرة مقابل الغلاء المستمر والإجراءات التي حملها القانون المالي الجديد؟ ماذا تحقق في قطاع الصحة والتعليم والشغل؟
يمكن رسم معالم حكومتي العدالة والتنمية في الإجراءات القاسية التي باتت تعتمدها، بين إصلاح نظام التقاعد، والتوجه نحو القضاء النهائي على مجانية التعليم، واعتماد التوظيف بالعقدة، والسعي إلى تعميمه على كل قطاعات الوظيفة العمومية، حيث منذ وصول حزب العدالة والتنمية لتدبير الشأن العام، لم تقدم لا حكومة بنكيران ولا حكومة سعد الدين العثماني سوى على الإجراءات الصعبة بداية من إصلاح صندوق المقاصة وتحرير سعر الوقود ورفع الدعم عن مجموعة من المواد الاستهلاكية مرورا برفع سن التقاعد والزيادة في سنوات العمل وفي مساهمة الموظفين مقابل تخفيض في تعويضات التقاعد، وصولا إلى الزيادات الأخيرة في مجموعة من الرسوم كجواز السفر ورخصة السياقة ومجموعة من المواد الغذائية، في انتظار إلغاء مجانية التعليم. ولأول مرة في تاريخ المغرب وعوض الزيادة في الأجور يتم الخصم من رواتب الموظفين للمساهمة في اقتطاعات التقاعد. وفي ظل ضعف النقابات التي أصبحت رهينة بيد بعض الأحزاب ورهينة امتيازات القائمين عليها، لم ينجح أي حوار اجتماعي ولم تعرف الأجور أية زيادة ولا حتى تخفيض في نسب الضريبة منذ وصول عبد الإله بنكيران لتدبير أول حكومة في ظل دستور 2011، بل أن الحكومتين معا لم تستطيعا تطبيق الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، والعام، خصوصا بالنسبة لعاملات، وعمال الإنعاش الوطني.
قد تكون الزيادات مبررة لو انعكست على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، لكن في ظل وضع صحي بئيس، ومدرسة عمومية مهجورة، وإدارة تقليدية وبطيئة وفي ظل تفشي الرشوة والفساد ونهب المال العام ونسب مرتفعة للبطالة، فإن الحكومة لا تمتلك وسائل التبرير والاقناع، وهو ما سوف يدفع النقابات والمواطنين مستقبلا للاحتجاج.
المؤكد أنه في غياب حوار اجتماعي حقيقي ومتوازن بين كل الفرقاء يراعي الظروف الاقتصادية للبلاد وظروف عيش المواطن البسيط، فإن من شأن هذه الإجراءات أن تولد حالات احتقان وضغط، كنتيجة حتمية للتدهور الاجتماعي، والاقتصادي، واستمرار الفقر، والتهميش، والاقصاء، وضعف القدرة الشرائية للمواطنين. لهذا فإن الحكومة مدعوة لاستشراف المستقبل عبر التفكير في برامج للتنمية المستدامة وخلق الثروة وفرص الشغل، مع حوار اجتماعي متزن يحافظ على السلم الاجتماعي، خصوصا وأن الزيادات والضرائب لا تنعكس مباشرة على حياة المواطنين.
وإلى أن يتحقق ولو الجزء الضئيل من طموحات المواطنين في عام 2018، فإن المواطن المغربي سوف يبقى بين سندان سنة خالية ومطرقة سنة حالية. وليس لنا سوى أن نقول كل عام ونحن بألف خير.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*