الرئيسية > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: رؤوس مسؤولين أينعت حان قطافها

الافتتاحية: رؤوس مسؤولين أينعت حان قطافها

بقلم: عبد المنعم سبعي
في حياة الأمم أيام تتجاوز حدود التاريخ والزمن، لأنها تبقى علامات مضيئة وسط أحداث وأزمات وقضايا تتشابك في مسيرة الشعوب،وفي محطات خاصة يحاول المرء الوقوف عند هذه العلامات لعله يسترشد بها في مسيرته، وهذا ما نشعر به كلما حلت سنة ميلادية جديدة، ونحن نستقبل سنة 2018 نحاول استجماع الذاكرة لقراءة الأحداث المتميزة التي طبعت السنة المنصرمة، واستخلاص العبر والدروس وترقب البشائر الميكروسكوبية إن وجدت، التي قد تزيد من تفاؤلنا تجاه السنة الجديدة.
المؤكد أن أهم ما ميز نهاية السنة المنصرمة بجهة الشرق ونحن نستجمع الأنفاس لاطفاء شمعة السنة الماضية، هو اندلاع الاحتجاجات بمدينة جرادة، بعدما لقي شقيقان حتفهما ببئر لاستخراج الفحم، والتطورات التي عرفتها المطالب الاجتماعية لساكنة هذه المدينة التي أنهكها إغلاق المناجم بهذا الإقليم، ونعتقد أن القادم من الأيام قد يحمل من المفاجآت ما قد يزيح الستار عن حقائق مرتبطة بتلكؤ مسارات التنمية بالإقليم والجهة، وتقاعس مسؤولين بعينهم عن أداء مهامهم، مفاجآت تشبه ذلكم الزلزال الملكي الذي أعقب أحداث الحسيمة، فكثير هم المسؤولون الذين وضعوا أيديهم على قلوبهم ينتظرون زلزالا جديدا قد يضرب هذه الجهة، فتهوي أصنام، وتسقط رؤوس، والرؤوس التي أينعت وحان قطافها معدودة معروفة، المهم أن الأوضاع بمدينة جرادة ليست على ما يرام، والأهم أن تنظر حكومة العثماني بعين الرحمة والشفقة إلى تنمية الجهة ومدنها وقراها.
ثاني الأحداث التي ميزت السنة الماضية هي الانتخابات التشريعية الجزئية التي أعيدت بدائرة وجدة أنكاد بعدما قالت المحكمة الدستورية رأيها في شأن مقعدي الأصالة والمعاصرة، اللذين اقتسمهما كل من حزبي الجرار والميزان، لقد كانت هذه المحطة مناسبة للخروج بانطباعات مفادها أن السياسة لا تستقر على حال فتارة انتصار وانتشاء، وتارة أخرى انهزام وانطفاء، وهذا ما يصدق على لائحة المصباح التي أفل نجمها خلال هذه الانتخابات، وخرجت خاوية الوفاض من هذا السباق المحموم، كما يصدق على لائحة الميزان التي كان وكيلها عمر احجيرة قد يئس من معانقة مقعده تحت قبة البرلمان بعد حنين واشتياق دام ما شاء الله له أن يدوم، علمتنا هذه المحطة أن السياسة أضحت فنا يجوز فيه كل شيء، وأصبح شعار السياسة وممارستها خلقا غائبا في سياقنا الوطني لأن سياسيينا استباحوا كل شيء وأجازوا لأنفسهم الحديث في كل شيء وإقحام كل شيء في خطاباتهم السياسية ومشاريعهم الخاصة.
ثالث الأحداث هو تعيين والي جديد على رأس جهة الشرق خلفا لمحمد امهيدية الذي عين واليا على الرباط، وهو الحدث الذي خلف نقاشا واسعا بين سياسيي ومثقفي الجهة، نظرا لوزن الرجل الذي انتقل إلى الرباط ونظرا للمشاريع التي استطاع أن يبدع فيها ويتتبعها تتبع التقني المتبصر، ولعل رؤية وجدة 2020 كانت مثالا صارخا لهذه الرؤيا التي يخشى الوجديون أن تتبخر مع رحيل الوالي امهيدية إلى الرباط.
لقد علمتنا أحداث سنة 2017 أن للجهة الشرقية وضعا اقتصاديا وسياسيا وجغرافيا مختلفا عن باقي الجهات، وأنها تدفع ضريبة موقعها المجاور لدولة شقيقة لا تعرف سوى معاكسة مصالح وطننا، فأشقاؤنا الجزائريون الآن أمام اختبار تاريخي، تؤكد طريقة تحريك دمى البوليساريو من طرف المخابرات الجزائرية على أنها صفحة سوداء لضياع الفرص، لن أتوقف عند سخرية الأقدار أمام أسماء جنرالات الجزائر التي قطعت كل حبل واصل بين شعبين اثنين بصيغة المفرد، ولن أتوقف عند أشياء أخرى تثير المخاوف والشجون في العلاقات الثنائية بين البلدين الجارين، ولكن يكفي أن أقول إننا أمام فرصة تاريخية ينبغي ألا تضيع. أما نحن في الجهة الشرقية من المغرب فعلينا أن نبدع في صيغ لرفع جاذبية الاقتصاد المحلي عوض الاهتمام بقضايا فتح الحدود ولعل أهم ما ينبغي التفكير فيه هو تمتيع مدن المناطق الحدودية بامتيازات ضريبية وتشجيعات عقارية لصالح الاستثمار… إن المطلوب وسط هذه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لسكان هذه المناطق أن نحدد المعنى الحقيقي للتنمية، فلم تعد إثقال كاهل المؤسسات والمستثمرين بمزيد من الضرائب والمراجعات، ولم تع محصورة في شق الطرقات وتبليط الأرصفة، وإنما أصبحت تتعداها لتصل إلى ضمان الكرامة والعيش الهنيء لمواطني هذه الجهة، ولنا في انتفاضة سكان جرادة خير دليل، وإن لم يتم التفكير بصدق في ضمان هذه الكرامة فسيرمى منتخبو وبرلمانيو ورؤساء الجماعات الترابية بهذه الجهة بالخيانة، لأن الخيانة لم تعد تجسسا مع عدو أو تسريب أخبار ومعلومات لجهات أجنبية معينة، ولكن الخيانة الحقيقية أن يضعك المواطنون في موقع المسؤولية ثم تفرط فيها وتبيع الأرض والعرض والتاريخ وتصبح لعبة في يد المغامرين وتجار المبادئ. الخيانة الحقيقية أن يستأمنك المواطن على عزة وطنه وتخون شرف المنصب وتجمع حولك عصابة من المرتزقة بينما أهل الخبرة والكفاءة والوطنية بعيدون عن كل شيء. الخيانة الحقيقية أن تحرم إنسانا من حقه في عمل أو منصب أو رزق وتمنحه لعصابات المناصب والمكاسب. الخيانة الحقيقية أن تترك مجموعة من الأشباح يسيطرون على زمام الأمور ويستغلون كل شيء لتحقيق مصالحهم… هذه هي الخيانة الحقيقية.
لقد علمتنا أحداث سنة 2017 أن لعنة الانقسامات واحدة من أخطر القضايا الخلافية في الشارع المغربي حتى بات من الصعب جدا أن يتفق الناس على شيء وانتشر الوباء بيننا حتى وصل إلى طريق مسدود اختلطت فيه الأوراق والأشياء والرؤى.. أصبح من السهل أن تجد أكثر من تفسير لأشياء ليس لها غير وجه واحد، وأصبح من الصعب أن تجد قياسا لأفكار ومواقف لا تحتمل الصخب والجدل والخلاف.. أوشك المغاربة الآن أن يختلفوا على ظهور الشمس ومواعيد الصلاة والحيرة ما بين ثوابت لم نختلف عليها، وثوابت أخرى استجدت ولا مكان لها في كل الأعراف.. من يتحدث الآن باسم الوطن..هل هم رجال الدين..أم رجال الفكر..أم أهل الفن أم تجار السياسة.. إن الفرق كبير جدا بين الوطنية والسياسة فليس كل سياسي بالضرورة وطنيا.. وليس من الضروري على كل من احترف السياسة أن يتاجر في الوطن.. الوطن شيء والسياسة شيء آخر.. إن الوطنية تعنى قبل كل شيء الولاء والانتماء والتضحية من اجل الوطن أما السياسة فلها لغة أخرى وحسابات مختلفة تبدأ بالمصالح وتنتهي بالارتزاق وما بين الاثنين يمكن أن تهدد القيم وتفسد الأخلاق..
إن هدف الجماعات المحلية المنتخبة في الدنيا هو الرفع من مستوى تدبير الشأن المحلي، هو خلق الحلول حيث لا توجد الحلول، هو تحويل المستحيل إلى ممكن، هو هزم الواقع العنيد، هو التحايل على الواقع لخدمة المواطن، والسير به إلى شاطئ الكرامة. أما هدف جل المنتخبين عندنا هو تجنيد الخبرة والكفاءة والتاريخ والمستقبل لبناء مجد وهمي وتشييد منافع زائلة. ونعود مرة أخرى نطلق العنان للأماني بخصوص سنة 2018، لعلنا نسجل فيها انكشاف الغمة عن هذه الجهة، سلوتنا في ذلك هو التفاؤل تيمنا بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “تفاءلوا خيرا تجدوه”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*