الرئيسية > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: سواد فحم جرادة يخيم على سماء المملكة

الافتتاحية: سواد فحم جرادة يخيم على سماء المملكة

بقلم: عبد المنعم سبعي
شكلت قضية وفاة شخصين من مدينة جرادة داخل ما يطلق عليه اسم “السندريات” مناسبة للخروج ببعض الانطباعات والآهات، والوقوف على مؤشرات تجيب عن سؤال مركزي كنا طرحناه في أكثر من مناسبة، ألا وهو: هل الجهة الشرقية بمشاريعها واستثماراتها قادرة على ضمان الكرامة الاقتصادية لسكانها؟ أو لنقل بصيغة الوضوح: هل كان المسؤولون عن تنزيل الخطة الملكية لتنمية أقاليم الجهة الشرقية ناجحين في اختيار الأولويات ضمن المشاريع الاستراتيجية التي شهدت ميلادها الجهة الشرقية، منذ 2003 تاريخ الخطاب الملكي التاريخي بوجدة؟ وهل استوعبت الفعاليات السياسية الحزبية بالجهة الشرقية بما يكفي الإشارات الملكية التي أطلقها صاحب الجلالة منذ اعتلائه العرش لتخليق الحياة السياسية والحزبية حتى تكون قادرة على طرح تصورات وبدائل من شأنها أن تعيد الثقة لدى نفوس المغاربة الذين سئموا من كل فعل حزبي؟
المؤكد أن الميزانيات التي خصصت للجهة الشرقية استطاعت أن تغير وجه الجهة الشرقية وبعض مدنها وراهنت على تأهيل البنية التحتية وكانت صائبة في الاختيارات الكبرى، لكنها أغفلت الاستثمار في الجانب البشري بما يضمن تأهيله وكرامته ويضمن قوته حتى ينأى بنفسه عن مغامرات تشوه صورة المغرب وتفتح على المغاربة أبواب الانتقادات..وتقلل من فرص الإفلات من مؤخرة الترتيب في التنمية البشرية كما ألفها المغرب منذ سنوات.
كنا نعتقد أن الإصلاحات التي جاء بها دستور2011 كان من المرتقب أن تؤدي إلى رجة قوية داخل الأحزاب المغربية، وتدفعها إلى مخاض سلس يرى معه النور فعل ديمقراطي رصين، وإيمان جازم بضرورة تجديد النخب بما يضمن التعبير عن آمال وحاجيات وتطلعات المواطن المقهور على أمره، وإعلان القطيعة مع السالف من الممارسات المشينة وإفراز ممثلين و مدافعين حقيقيين عن تنمية مناطق الجهة الشرقية، لكن الوجوه التي أخذت المشعل في المحطات الموالية لهذا التاريخ لم تترجم هذا المرتقب والمبتغى.
إن جوهر الإنسان هو الإيمان بفكرة، والممارسة الديمقراطية فكرة، والفكرة المستقيمة لابد لها أن تكون متطابقة مع المبادئ، وإذا لم تكن كذلك فكل الأفكار تخبو حد الانطفاء، ويتحرك وقتها من تجردوا من هذا التطابق، ويهرولون في الظلام من أجل منصب أو امتياز أو حماية أو حظوة، ومن تم تبرز التشوهات في الوجوه السياسية، وتحتد أزمة العثور على الفاعلين السياسيين الحقيقيين ويطغى النهج السياسي القائم على البحث عن المجالس المنتخبة من أجل تحقيق المكاسب، فمن سيوقف هذا البؤس السياسي في زمن التطلع إلى مرتبة متقدمة من النضج الديمقراطي؟ وما لا تعلمه ربما الوجوه المبتذلة والمعاكسون لقيم الديمقراطية، أن الأزمات غالبا ما تذهب بكائنات الأزمة وصانعيها والمنتعشين في أجوائها. ولو كان البقاء للأسوأ، لما استمرت البشرية، والمشكل دائما في الوقت، أما الأصلح فهو قادم.

لقد كشف حراك مدينة جرادة خلال الأسبوع المنصرم، عن الوضع الكارثي الذي تعيشه الأحزاب السياسية، وسحبت تطورات مطالب الجراديين البساط عن الفاعلين السياسيين والحزبيين، وأكدت بالواضح أن أولئك الذين يتبجحون بتأطير المواطنين وتمثيلهم لا يمثلون في الواقع حتى أنفسهم، لأنهم احترفوا الكذب حتى ما عاد يصدقهم أحد، وبات العاقل اللبيب يأنف من ذكر السياسة والسياسيين ويصب عليهم من اللعنات بقدر ما صبها عليهم محمد عبده في محنته.
إن حراك مدينة جرادة له أسبابه الاقتصادية والاجتماعية، وإن الأحزاب السياسية تتحمل النصيب الأوفر في مثل هذا الوضع فبسياستهم المتعاقبة خلال كل الحكومات نما الظلم بمدينة جرادة والقرى التابعة لهذا الإقليم وترعرع وازدهر الفساد وتطور رغم أنه قد استقر في ضمير الناس غربيهم وشرقيهم، كافرهم ومؤمنهم أن العدل والإنصاف طريق بناء المجتمعات ورقيها، وأن الظلم والاستبداد سبيل تخلف الأمم وتأخرها، فما من أمة أمة، كان العدل ديدنها والإنصاف رائدها إلا علا شأنها وعظم أمرها، وما من أمة أمة، ظلم قويها ضعيفها واستبد عظيمها بحقيرها إلا ضعفت شوكتها وتأخر مجتمعها وانحلت أخلاقها، وكثرت الاضطرابات بين أهلها، فالعدل هو السلطان الدائم الذي تطوف حوله مواكب البشر باختلاف أجناسهم وألوانهم، وويل لأوطان غاب عنها العدل، انه ليس فقط قانونا يحكم العلاقات بين الناس ولكنه الميزان الذي تقوم عليه أركان الحياة فإذا أضل فسدت الحياة.. وتحفل صفحات التاريخ بنماذج من الشخصيات الحزبية التي اعتمدت الظلم وجنحت للارتشاء واتخذت من معاكسة مصالح الوطن عقيدة، فحالها كحال العصابات، لا تصنع أمجادا ولكنها تصنع الكوارث والمصائب، أما المواطن الحقيقي فهو الذي يشيد ويبني ويقدم للحياة أجمل ما فيه ويسخر لخدمة الوطن أعظم ما فيه وهو عقله وقلبه. فلا تحزن إذا وجدت حولك أشباحا من المرتزقة الذين باعوا أنفسهم للشيطان من أجل مصالح زائلة، وإذا كان الحق قد اختقى في زحمة الباطل والظلم، فهو قادر على أن يطل مرة أخرى وتراه شامخا رافعا هامته منتصب القامة يمشي وسط كهان الشعارات ومروجي الأوهام.. لا تحزن إذا اختفت الشمس قليلا خلف سحابة الضلال، لأن البقاء للشمس ولا بقاء للضلال، فالفرق شاسع والبون واسع بين أن تظلم إنسانا وان تظلم وطنا أو مدينة أو ساكنة برمتها وان كانت النتيجة واحدة.. فالفرق كبير بين أن تظلم شريكا وان تحرق مدينة، وبين أن تقترض مبلغا من المال لا ترده لصاحبه وان تنهب ثروة جماعة أو مدينة ثم تتركها ضائعة..ظلم الأفراد مساحة صغيرة جدا فى حياة البشر، ولكن ظلم الوطن والمدن مأساة كبرى تتحملها الأجيال جيلا بعد جيل.. وحين يتصور المسؤول الحزبي انه يملك كل شيء في دائرته تسقط عليه اللعنات من كل جانب وتطارده أشباح الكراهية في كل مكان، وإذا أردت أن تقيم شيئا فانظر إلى نهايته ولا تتوقف كثيرا عند البدايات لان النهايات هي الفيصل وهى آخر صورة للإنسان قبل أن يلقى قدره..
إن الوطنية لا ترتبط بالنخب سواء كانت سياسية أو فكرية أو دينية لأنها تتجاوز كل هذه الآفاق إن فيها الفكر والدين والسياسة وفيها ما هو أعمق وهو تراب الوطن والأرض التي يعيش عليها الإنسان وهى اكبر وأقدم واعرق الحقائق في تاريخ البشر.. والأرض ليست قطعة من تراب إنها الزمن والعمر والحياة والماضي والحاضر والمستقبل.. وفى ظل هذه المفاهيم تسربت في حياتنا أمراض السياسة وصراعات الساسة وأصبحت السياسة هي التي تحرك الفكر والسلوك والأهداف والمصالح رغم أن الوطن هو الذي كان دائما يجمعنا في السراء والضراء وفى تاريخنا فترات كثيرة توحدت فيها أحلامنا ورؤانا تحت راية الوطنية ولكن السياسة بوجهها البغيض حملتنا إلى مناطق أخرى استنزفت قدراتنا وشردت صفوفنا وتركتنا فريسة للضياع، فهذه دروس بليغة ينبغي أن نتعلمها من أحداث مدينة جرادة والوقوف عليها بكثير من التجرد حتى نجر الوطن إلى بر الأمان .فهل من رجل راشد؟

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*