احدث المقالات
الرئيسية > كتاب الحدث > الافتتاحية > الافتتاحية: للباطل كهان وللحق فرسان

الافتتاحية: للباطل كهان وللحق فرسان

بقلم: عبد المنعم سبعي

في حديث عابر مع أحد أصدقاء الطفولة، أحسست أن الظلم من أخطر ما تصاب به أمة، وتأكدت أن الشرفاء في هذا الوطن لا زالوا يبذلون ما في وسعهم لمواجهة الظلمة، منذ مدة وصديقي هذا في صراع مع الإدارات المغربية لإبلاغ صوت معارضته لإحدى ورشات ميكانيك الدراجات النارية في حي سكني كان يطبعه الهدوء وتغشاه السكينة، وبالرغم من عدم توفر صاحب الورشة على الترخيص القانوني لمزاولة هذه المهنة، ظل يزاول هذه المهنة المزعجة بالرغم من احتجاجات المتضرر الأول، والغريب أن كل تعرضات المعني بالأمر كان مصيرها وجهة مجهولة ولا توضع في الملف ويتم تجاهلها من طرف كهان الباطل، لكن للحق فرسانا وفرس الحق هذه المرة هو مدير المصالح ببلدية وجدة الذي انتفض ضد هذا السلوك ووعد بتتبع الملف شخصيا.
يجمع المصلحون أن الصراع بين الحق والباطل صراع قديم قدم البشرية، ويظل الباطل يعربد ويراوغ إلى أن يتمكن منه الحق في قبضة لن تفلته، لذلك لن يرهب ذوي النفوس العالية أمر استقواء الباطل في لحظة من اللحظات، وإن وجد للباطل كهان أكثر من فرسان الحق… لأن الوقائع والشواهد تؤكد أن الحق كان دوما وفي كل زمان ومكان غريبا، فلا مجال لليأس والحزن إذا ما طاردتك الأكاذيب وحاصرتك الأباطيل وغلب على الحياة ألوان من الزيف والدجل، فكن على يقين تام أن الزمن قادر على كشف الحقيقة مهما تمادى البشر في إخفائها والتحايل عليها.
لقد علمتنا تجاربنا وتجارب غيرنا أن الناس صنفان أحدهما صنف يتكون من أشخاص يفخر التاريخ بهم، وثاني الصنفين أفراده من أشباه الكهان الذين احتوتهم مزابل التاريخ بكثير من الترحاب، والفرق بينهما هو تمثل الحق والتشبع به، لأنه لن تتساوى أبدا أيادي لوثها الباطل وأياد أخرى كانت من أوسمة الصدق والنقاء .. فرق كبير بين أن تكون مسؤولا منتخبا أومعينا وأن تكون قائد عصابة ، فللمواطن قدسيته لأنه يحمل روح الوطن بما يعنيه من الأرض والزمن والتاريخ، أما العصابات فهي جماعة من البشر تجتمع على وليمة حتى وإن كانت مسمومة .. فقد تفرح العصابات حين تقتنص فرصة أو تصنع مؤامرة أو تنقض على ضحية، ولكن تبقى في النهاية مشروع عصابة، أما الشعوب فهي التي تصنع التاريخ سواء كان معها أو ضدها، ويبقى التاريخ واقفا في محراب قدسية هذه الشعوب راكعا مطأطأ الرأس لأنه يدرك أنه أمام قيم وأمجاد وحضارة.. وفي صفحات التاريخ نماذج من العصابات اعتمدت الظلم وجنحت للارتشاء واتخذت من معاكسة مصالح الوطن عقيدة، فالعصابات لا تصنع أمجادا ولكنها تصنع الكوارث والمصائب، أما المواطن الحقيقي فهو الذي يشيد ويبني ويقدم للحياة أجمل ما فيه ويسخر لخدمة الوطن أعظم ما فيه وهو عقله وقلبه. فلا تقلق إذا وجدت حولك أشباحا من المرتزقة الذين باعوا أنفسهم للشيطان من أجل مصالح زائلة، وإذا كان الحق قد اختقى في زحمة الباطل والظلم، فهو قادر على أن يطل مرة أخرى وتراه شامخا رافعا هامته منتصب القامة يمشي وسط كهان الشعارات ومروجي الأوهام.. لا تقلق إذا اختفت الشمس قليلا خلف سحابة الضلال، لأن البقاء للشمس ولا بقاء للضلال، فالفرق شاسع والبون واسع بين أن تظلم إنسانا وان تظلم وطنا أو مدينة أو ساكنة برمتها وان كانت النتيجة واحدة.. فالفرق كبير بين أن تظلم شريكا وان تحرق مدينة، وبين أن تقترض مبلغا من المال لا ترده لصاحبه وان تنهب ثروة جماعة أو مدينة ثم تتركها ضائعة.. ظلم الأفراد مساحة صغيرة جدا في حياة البشر، ولكن ظلم الوطن والمدن مأساة كبرى تتحملها الأجيال جيلا بعد جيل.. وحين يتصور المسؤول المنتخب انه يملك كل شيء فى دائرته تسقط عليه اللعنات من كل جانب وتطارده أشباح الكراهية في كل مكان، وإذا أردت أن تقيم شيئا فانظر إلى نهايته ولا تتوقف كثيرا عند البدايات لان النهايات هي الفيصل وهى آخر صورة للإنسان قبل أن يلقى قدره.. ومن أسوأ النهايات في الحياة أن يغمض الإنسان عينيه وتمتد أمامه مواكب الوجوه التي ظلمها في حياته وتنتصب أمام عينيه مجموع المشاريع التي غش فيها وطنه ومدينته أو قريته.. وأسوأ أنواع المنتخبين المنتخب الذي ائتمنه الناس على مصالحهم فخان الأمانة، إنه ظالم بكل معنى للكلمة، لأنه تدخل في إرادة الله وسلب من الناس حقوقهم وحرمهم من فرص الحياة الكريمة الآمنة التي أرادها الله لعباده..
إن العمل الجماعي أو الوظيفي مسؤولية وطنية وإدارية وأيضا أخلاقية.. ومنصب مستشار جماعي أو رئيس جماعة أو نائبه أو قائد مقاطعة من أهم واخطر مجالات التسيير الديمقراطي، ولهذا ينبغي أن يكون كل عضو من المكتب المسير مستحضرا مصالح من وضعوا ثقتهم فيه، صادقا في كل تصرفاته وسلوكياته وقبلها قراراته، فذاكرة المدينة أو الوطن لا ترحم أحدا، وبقدر ما يحاول المنتخب الابتعاد عن اهتمامات المواطنين وتطلعاتهم، بقدر ما يكون عرضة للانتقاد والانتقام، ويتورط في جرائم جديدة تمس الشرف والأخلاق. كثيرا ما نفهم الأشياء بما يرضينا ونتجاهل حقيقتها، والحقيقة المؤكدة أن الإنسان مجموعة من القيم وليس مجرد أنانيات ومصالح ذاتية أو حزبية ضيقة، وأنه حين تصبح الغربان في صدارة الموكب وتختفي أسراب العصافير لا بد أن يراجع الإنسان نفسه ويسأل لماذا رحلت العصافير..
وفى مواكب الرحيل نجد أناسا تحيطهم من كل جانب مشاعر صادقة من الحب والعرفان، والقلوب تودعهم بأصدق الدعوات والعيون تحيطهم بأصدق الدموع لأنهم كانوا أمثلة حية لشرف الكلمة وتحمل المسؤولية فكانوا بذلك ميزان عدل وخير وتسامح.. وهناك آخرون تسبقهم إلى مصيرهم المشئوم لعنات أناس مظلومين،
وصرخات قلوب حرمها الظلم من ابسط حقوقها في الحياة.. إن أسوأ ما تصاب به جماعة أو أمة هو مسؤول منتخب غشاش ظالم قد ينجو من عذاب الدنيا، وقد يتنازل السكان عن حقوقهم وأحلامهم، ويبقى حساب السماء نهاية كل ظالم، فالناس من ذوي الضمائر الحية تخاف أن تظلم فردا واحدا من المجتمع لأنها تدرك أن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن مرتع الظلم وخيم، وعاقبته سيئة، ولو بغى جبل على جبل لدك الباغي منهما، فما بال أولئك الذين يظلمون ساكنة ووطنا برمته؟

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*