الرئيسية > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الاحمر: الإعفاء من المسؤولية أول خطوة على عتبة المحاسبة

الخط الاحمر: الإعفاء من المسؤولية أول خطوة على عتبة المحاسبة

زهر الدين طيبي: لماذا تنهار العمارات السكنية عندنا وتؤدي بحياة المواطنين الأبرياء؟ لماذا تنهار الأسوار في مدننا وتقتل المواطنين؟ لماذا تغرق طرقاتنا بزخات مطرية قليلة، وتنهار القناطر والجسور؟ ألا يعتبر الفساد السياسي والاقتصادي لبعض المسؤولين والمنتخبين هو أصل هذه الكوارث؟ لماذا لا يموت المواطنون في الدول المتقدمة بمثل هذه الأسباب؟ ولماذا لا تخلف حتى الزلازل القوية عندهم ضحايا بنفس حجم ضحايانا؟
الجواب بسيط للغاية أيها السادة، إنه الغش والفساد الذي بات ينخر كل المجتمع، ويظهر في المشاريع الصغرى كما في الكبرى، وهو ما يؤكد أن المفسدين في جميع القطاعات والمجالات لا يهمهم المواطن ولا مصلحة الوطن، بقدر ما تهمهم مصالحهم الشخصية وامتيازاتهم التي من أجلها تصبح مؤسسات الدولة قطاعا مباحا للنهب، في غياب تام للمراقبة والمساءلة والعقاب. هل يعقل أن تصبح آثار تساقط قطرات مطرية في الطرقات الرئيسية في قلب كبريات المدن المغربية، شبيهة بما يخلفه الإعصار في بعض الدول الكبرى؟ هل كل ما نستحق كمواطنين هو عمارات مغشوشة تنهار بسكانها وأسوار متآكلة يتسبب انهيارها في مقتل ضحايا أبرياء؟ أين هي المصالح المعنية التي رخصتي وأنجزت هذه البنايات؟ وإلى متى سوف يظل المسؤولون بلا حساب ولا عقاب؟ لقد حان الوقت لمساءلة الحكومة عن التأخر في تنزيل محاور استراتيجية محاربة الفساد والتي تخص تحسين خدمة المواطن، والإدارة الإلكترونية، وتكريس الشفافية، والوصول إلى المعلومة، وتعزيز الأخلاقيات في الوظيفة العمومية، وتقوية الرقابة والمساءلة، وتقوية المتابعة والزجر، وتعزيز إدارة وتدبير الطلبيات العمومية، وتحسين شفافية الفاعلين الاقتصاديين في القطاع الخاص، وتحسين التواصل.
لا شك أن انتشار الفساد يعد عاملا أساسيا من بين العوامل المعيقة لتطور القطاع الخاص بالمغرب، وبالتالي فهو يؤثر سلبا على اقتصاد البلاد، ولأن دولة الحق والقانون يجب أن تحمي الموطن كما تحمي الشأن العام والأمن العام والمال العام والأخلاق العامة، فإنه يفترض فيها أيضا حماية الاقتصاد الوطني والدولة من الفساد والمفسدين، عن طريق تفعيل القوانين الزجرية وتحديد المسؤوليات وربطها بالمحاسبة في إطار احترام الدستور والقوانين، بشكل يجعل المواطنين على بينة من حقوقهم وواجباتهم، ويرفع كل حصانة أو هالة عن كافة الموظفين الكبار والوزراء وكل المسؤولين، الذين يعيثون فسادا ضد القانون في دولة الحق والقانون.
لقد حان الوقت للقطع مع مفهوم المنصب الذي يكون رديفا للمال السهل والامتيازات دون حسيب أو رقيب، فمغرب اليوم لم يعد قطاعا خاصا لناهبي المال العام، وبات يضع الجميع تحت مجهر المتابعة، والمساءلة، والحساب. وإذا كان إعفاء المسؤولين الذين يثبت عدم التزامهم بتنفيذ مشاريع أو تقصير في أداء مهامهم؛ يدشن لعهد جديد عنوانه ربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن السؤال المطروح بإلحاح هو هل يكفي الإعفاء في كل الحالات؟ وهل هذه الإعفاءات هي غاية الحساب الذي سيطال المقصرين في خدمة المواطن؟ وماذا عن مختلسي المال العام والمرتشين الذين راكموا أموالا طائلة بفضل استغلال نفوذ المنصب الذي يتبوؤون؟
ما من شك أن الرأي العام الوطني يثمن الإعفاءات الملكية الأخيرة التي طالت عددا من المسؤولين، وقدرها عاليا باعتبارها تؤسس لتحول جذري في التعامل مع المسؤولية العمومية؛ مهنية كانت، انتدابية أو سياسية، مما سيضع الجميع تحت مجهر المتابعة، والمساءلة، والحساب. وقد بدا واضحا من خلال الخطب الملكية الأخيرة، بداية من خطاب عيد العرش ووصولا إلى خطاب افتتاح الدورة التشريعية، أن تدبير الشأن العام ليس على ما يرام، وأن تدبير السياسات العمومية لا زال يعتمد على نمطه التقليدي، في مغرب أصبحت فيه الإنجازات الملكية تسير بسرعة فائقة، وهو ما انعكس سلبا على إنجاز العديد من المشاريع، وكشف اختلالات كثيرة في كل المجالات التي ترتبط بخدمة المواطن.
المؤكد أن مغرب اليوم لم يعد فيه مجال للعبث والفساد وكل أشكال الشطط التي تعود عليها بعض كبار المسؤولين دون حسيب ولا رقيب، كما لم يعد الموت هو الوحيد الذي يستطيع إزاحة بعض المسؤولين في المناصب السامية من كراسيهم، ليقوموا بتوريثها لأنجالهم وأصهارهم، لهذا يبقى المطلوب هو القطع مع العقليات البائدة قصد تحقيق الممارسة الحكيمة المبنية على قواعد النزاهة والكفاءة، التي جاءت بها مقتضيات دستور 2011. من هنا يكون الإعفاء ليس سوى مقدمة عادية وطبيعية على عتبة المحاسبة، ولا يمكن، خصوصا في حالة الفعل الجرمي، أن نعتبره آلية تأديبية كافية، ما لم يكن له ما بعده، وما لم تتأسس عليه أحكام قضائية تُعمَّمُ على الحالات المماثلة. إن ربط المسؤولية بالمحاسبة يعني تفعيل دور المؤسسات الدستورية المكلفة بالرقابة وتقييم كافة السياسات العمومية، من خلال محاسبة يكون للقضاء فيها القول الفصل، على أن يمتد التأديب إلى محاكمة المتورطين في كل أشكال استغلال النفوذ، والذين راكموا أموالا طائلة في كل جهات المملكة وامتيازات خيالية بفضل مناصب مسؤولياتهم والاقتصاص منهم، عبر متابعتهم بالقانون ولا شيء غير القانون وحجز ممتلكاتهم لفائدة الدولة وجعلهم عبرة لغيرهم. صحيح أن كثيرا من الشرفاء في مختلف أسلاك الإدارة تم تهميشهم وإبعادهم لأنهم يرفضون الانصياع للتصرفات الفاسدة التي تشين للإدارة المغربية، لكن تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، سوف يرد الاعتبار للكفاءات وسيجعل المسؤول مستقبلا بين خيارين لا ثالث لهما، إما أن يكون قدوة، وإما أن يصبح عبرة.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*