احدث المقالات
الرئيسية > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الاحمر: الزلزال السياسي بدأ، والهزات الارتدادية تستمر…

الخط الاحمر: الزلزال السياسي بدأ، والهزات الارتدادية تستمر…

زهر الدين طيبي: يبدو أن مصطلح الزلزال السياسي الذي ورد في خطاب جلالة الملك لدى افتتاحه الجمعة الثانية من أكتوبر الجاري السنة التشريعية الجديدة، بدأت تظهر أولى معالمه، فقد قرر جلالته زوال الثلاثاء الماضي إعفاء عدد من الوزراء في حكومة سعد الدين العثماني، ومدير مؤسسة عمومية. وتأتي هذه الإعفاءات والقرارات غير المسبوقة في تاريخ المغرب، بناء على نتائج وخلاصات التحقيقات التي عرضها الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، إدريس جطو، على العاهل المغربي بحضور كل من رئيس الحكومة ووزيري الداخلية والاقتصاد والمالية، حول برنامج “الحسيمة منارة المتوسط”. بعدما أكد تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن التحريات والتحقيقات التي قام بها أثبتت وجود “مجموعة من الاختلالات تم تسجيلها في عهد الحكومة السابقة”، التي كان يقودها عبد الإله ابن كيران.
ولا شك أن الجديد في هذه القرارات هو مفهوم الحكامة في التدبير والنجاعة في الإنجاز، فيما يخص تدبير الشأن العام بالمغرب، حيث لم يعد التقييم يقتصر على الاختلالات المالية بل تجاوزه إلى مستوى تقييم الأداء المرتبط بالنجاعة والفعالية. وجاءت هذه القرارات الملكية مؤطرة بالقانون “تطبيقًا لأحكام الفصل 47 من الدستور، ولاسيما الفقرة الثالثة منه، وبعد استشارة رئيس الحكومة” كما أنها احترمت جميع الشكليات المطلوبة، حيث أكد بيان الديوان الملكي أن جلالة الملك محمد السادس استند في اتخاذ قراراته إلى مختلف التقارير التي أعدتها المفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية، والمجلس الأعلى للحسابات، وأبرز البيان أنه “بعد تحديد المسؤوليات، بشكل واضح ودقيق، يأخذ بعين الاعتبار درجة التقصير في القيام بالمسؤولية، قرر جلالة الملك، اتخاذ مجموعة من التدابير والعقوبات”.
المؤكد أن هذه القرارات لم تميز بين المسؤولين الحزبيين والتكنقراط، ولا بين الوزراء ومديري المؤسسات العمومية أو غيرهم من المسؤولين الإداريين الذين سوف تشملهم، كما أنها لم تميز بين المسؤولين الحاليين والسابقين. صحيح أن الوزراء الذين طالهم الإعفاء سبق أن تحمّلوا المسؤولية خلال الحكومة السابقة، التي ترأسها عبد الإله بنكيران، وأطاح بهم تقرير المجلس الأعلى للحسابات على خلفية تعثر مشاريع برنامج “الحسيمة منارة المتوسط”؛ ولكن القرارات الملكية لم تقف عندهم، بل تم إبلاغ خمسة وزراء سابقين بعدم رضا جلالة الملك عليهم لإخلالهم بالثقة التي وضعها فيهم، ولعدم تحملهم لمسؤولياتهم، مع التأكيد على أنه لن يتم إسناد أي مهمة رسمية لهم مستقبلاً، وهو إعدام سياسي بكل ما تحمله العبارة من معنى.
وفي سياق هذا الزلزال السياسي، تطرح أسئلة استفهامية لاستشراف المستقبل، من قبيل: ألا تحمل القرارات الملكية الأخيرة مسؤولية سياسية ضمنية لبنكيران، بصفته رئيسا للحكومة السابقة؟ وهل ستتخذ الأحزاب التي مستها الإعفاءات قرارات سياسية جريئة مثل قرار الانسحاب من الحكومة؟ وماذا عن التعديل الحكومي المرتقب، وهل سيقتصر على تعويض الوزراء الذين شملتهم الإعفاءات، أم سيكون موسعا يغير مكونات التحالف والأغلبية الحالية؟
المؤكد أن القرارات التي أعلنها جلالة الملك بإعفاء عدد من الوزراء وكبار المسؤولين الذين سبق أن تحمَّلوا المسؤولية خلال الحكومة السابقة التي ترأسها عبد الإله بنكيران، تشكل فعلا زلزالا سياسيا في المغرب. هي قرارات تؤسس لبداية التنزيل الحقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتؤكد أن الخطب الملكية ليست أبدا وسيلة للاستهلاك السياسي أو أداة للنقد من أجل النقد، بقدر ما تشكل إشارات إنذارية تستبق اتخاذ قرارات وعقوبات قد تصل إلى ما يمكن أن نسميه الإعدام السياسي. قرارات سوف يكون لها ما بعدها على مستوى تدبير الشأن العام من خلال النجاعة والفعالية والحكامة في تنزيل السياسات العمومية على مستوى كل جهات المملكة في القادم من الأيام. صحيح أنها لم تشمل وزراء حزب العدالة والتنمية، لكنها تحمل انتقادا ضمنيا لرئيس الحكومة السابق باعتباره قائدا لها، ويفترض فيه أنه المسؤول المباشر عن زلاتها. لا يختلف اثنان أن هناك مسؤولية تقصيرية، رغم غياب الفعل الجرمي الذي يعاقب عليه القانون من قبيل الاختلاسات المالية، لأن هناك عدم القيام بالمهام المنوطة بالوزراء وكبار المسؤولين في إطار الحكامة، وفق أحكام الدستور.
الإعفاءات الملكية طالت وزراء من حزب التقدم والاشتراكية ضمنهم الأمين العام كوزير في الحكومة السابقة، وهو ما يفرض عليه على الأقل أخلاقيا تقديم استقالته الفورية من الحزب، والعودة للهياكل من أجل اتخاذ المتعين الذي قد يصل إلى الانسحاب من الحكومة، والعودة لصفوف المعارضة. كما أنها شملت وزراء في حزب الحركة الشعبية، ضمنهم وزير الداخلية السابق الذي دخل الحكومة الحالية بلون الحركة الشعبية، وكان مشروع أمينها العام مستقبلا، وهو ما لن يتحقق بعد هذا الإعفاء، وقد يمهد الطريق لقيادات أخرى نزل عليها القرار بردا وسلاما. لكن هذا لا يعني استبعاد فرضية خروج الحركة الشعبية بدورها من الحكومة.
الواضح أن هذا الزلزال السياسي قد يحمل في طياته الجديد بالنسبة للمشهد الحزبي والتحالفات المستقبلية، كما قد يغير طبيعة مكونات الأغلبية الحالية باحتمال تعديل حكومي موسع يمهد لالتحاق حزب الاستقلال بالحكومة وخروج حزب واحد على الأقل منها. حتما هي أولى نتائج الزلزال السياسي، لكن الهزات الارتدادية لهذا الزلزال لا زالت مستمرة، وسوف تطيح برؤوس أخرى كبيرة وفي كل جهات المملكة في القادم من الأيام. فليتحسس المعنيون رؤوسهم استعدادا للمستقبل.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*