الرئيسية > الحدث > الهيمنة والإخضاع .. مقاربة ثقافية لمفهوم السلطة : حكاية القروي الذي باع حماره ليدعو القايد لجلسة شاي ..

الهيمنة والإخضاع .. مقاربة ثقافية لمفهوم السلطة : حكاية القروي الذي باع حماره ليدعو القايد لجلسة شاي ..

الدكتور محمد حماس

الهيمنة والإخضاع ..
مقاربة ثقافية لمفهوم السلطة ..

• حكاية القروي الذي باع حماره ليدعو القايد لجلسة شاي ..

يزخر التراث الثقافي الشعبي بالعديد من القصص والحكايات والأمثال والأشعار، التي تختزل مشاهد من  الحياة العامة بأسلوب كاريكاتوري جميل يجمع بين الحكمة والموعظة وعمق المعنى، غنية بالدلالة الرمزية والحمولة الثقافية، والحكاية جنس أدبي قائم بذاته، له مميزاته الفنية والجمالية، حيث استرعت الحكاية الشعبية كبير اهتمام الدارسين، خاصة الأنثروبولوجيين، باعتبارها من الأشكال التعبيرية الشعبية التي ينسجها المخيال الشعبي الجمعي لتسجيل وقائع وأحداث مرت بها الجماعة، تعلق الأمر بأفراحها أو أتراحها، أو لتسجيل مواقف تجاه مجريات الأحداث، من أوبئة ومجاعات وفيضانات وموت وحروب وصراعات، أو تسلط الحكام وجورهم، أو مدح السلاطين ونسج صور عجائبية عنهم، وما إلى ذلك من مادة تحولت مع مر الأجيال إلى تراث لامادي ثقافي أضحى موسوما بالثقافة الشعبية. وقد اختلف العديد من الدارسين حول تسميتها بين الأسطورة والخرافة، (1)، لكنها تبقى، في نظرنا، حكاية شعبية تنضح بكل مقومات الجمال الحكائي الواقعي والعجائبي الممزوج بالرومانسي، حيث بلاغة الصورة وعمق المعنى وقوة الخطاب وصدق البوح.

وإن ما يميز الحكاية الشعبية كون قوتها في شفويتها، ثم طقوس حكايتها وسط اللمة العائلية مساء حول المدفئة للترويح عن النفس وتفريغ المكبوت وخلق عوالم لا تخضع لمقياس الزمن أو جغرافيا المكان، تمارس من خلالها الجماعة كامل حيرتها بعيدا عن أي رقابة، فتروي البطولات وتعطي دروسا في الحياة لتنشئة الأجيال بتعاقبها.

وفي حال المغرب لابد من تحديد المفاهيم، لأن الحكاية هنا أمازيغية، ولو أن روايتها تتم بألسن متعددة، فكل حكاية أو مثل أو ما جرى مجراهما بمنطقة الشمال الأفريقي، هو تراث أمازيغي، ليس من باب التعصب، وهذا القول يحتاج منا للكثير من التفصيل والتوضيح، ويتطلب مساحة أكبر للإحاطة بجوانبه وما يحوف به من لبس وغموض وخلط في المفاهيم، وذلك في إطار من التوضيح بين ماهية الثقافة ومن يزعم “التعدد” الثقافي … لأن المكون الثقافي فيه الأصل والدخيل …هذه الثقافة التي تعتبر تراثا لهذا المجتمع، ليس بالمفهوم الفلكلوري للتراث، أو المتحف الفلكلوري، على حد تعبير بول باسكون، وإنما بحث في الموروث الثقافي بتنوعه…

وسوف تخضع نصوص الحكاية الشعبية لعدد من المناهج الدراسية، منها المنهج النفسي التحليلي،والسيميوطيقا، كما هو الحال عند فلاديمير بروب(2)، أو البعد الأسطوري عند Claude Lévi-Strauss(3)، وجميعها سعت لبلورة رؤية جديدة للخطاب الأدبي، تحقق نظرة إبستيمية مختلفة … ومهما يكن من أمر فالمقام هنا ليس لدراسة الخطاب الأدبي الشفوي، بقدر ما نحن في حاجة لمقاربة بعض من الحكايات الشعبية التي تختزل صراع الإنسان المغربي البسيط مع ذاته المقهورة في علاقته مع الآخر الذي يشكل مصدر قوة وسلطة وخوف وقلق وتحكم في حياته، لدرجة أنه يرى فيه المنقذ والمخلص والخير والشر. ونستعيد هنا عددا من الحكايات زمن القياد الذين حكموا البلاد والعباد بقبضة من حديد، ومن هذه الحكايات ما يثير السخرية التي تحمل في عمقها مواقف تراهن على عقلية الإنسان المستلب، ذي عقلية العبيد، ونورد قصة على سبيل المثال لا الحصر، عن القايد وصاحب الحمار:   

[يروي أحد المسنين، متبسما، أن رجلا خرج من خيمته ذات صباح، قبل بزوغ شمس ذلك اليوم، بعد أن صلى وتناول فطوره، وقد أوصته زوجته باللوازم التي يتوجب عليه إحضارها من السوق الأسبوعي. ركب حماره الوحيد وانطلق سعيدا بيومه. عندما وصل إلى السوق، كانت الشمس قد أضاءت ما حوله، واجتمع من الناس خلق كثير. وكعادة أهل البادية، فالسوق لا يعني التبضع فقط ، ولكن استطلاع الأحوال والأخبار وملاقاة المعارف وإبرام الصفقات.

مر صاحب الحمار بالخيمة التي كان يجلس بها قايد القبيلة ومعه أعوانه، الشيخ ولمقدم، فألقى عليهم التحية، لكن الشيخ نهره وأنبه، إذ كيف يجرؤ على توجيه التحية للقايد دون أن يدعوه إلى جلسة شاي هو ومن معه ؟

ومن سروره أكد صاحب الحمار للشيخ، أنه مستعد لتنفيذ الأمر. فقط يتوجب على الشيخ أخذ الموافقة من القايد. طبعا تدبر الشيخ الأمر ونال موافقة القايد. في هذه الأثناء قام الرجل ببيع حماره، لأنه لم يكن معه المال الكافي للحفل. المهم أنه حصل على المال ونظم حفل شاي داخل خيمة دعا لها القايد وأعوانه ليشربوا الشاي والحلوى. استمتع الرجل بإلقاء التحية على القايد عن قرب، وتناول الشاي بصحبته والتحدث إليه. لم يكن لسعادته حد.

انتهى اليوم وأشرفت الشمس على المغيب، وقد فرغ السوق وانفض كل من فيه. عاد الرجل أدراجه إلى بيته راجلا وقد كان يحس التعب. لم يحضر معه من السوق شيئا. لقد عاد خاوي الوفاض. كانت زوجته تنتظر عودته وقد تأخر كثيرا. تراءى لها من بعيد يسير على قدميه. عندما وصل بادرته بالسؤال عن الحمار والحاجيات واللحم والخضر وكل ما يلزم البيت. حسبت المسكينة أن أمرا جللا قد ألم بزوجها، لكن الزوج ضحك ولم يشأ أن ينهر زوجته، بل أفهمها أنه حدث ما هو أهم من الحمار والخضر واللوازم، فقد نال شرف تناول الشاي مع القايد، وأنه باع الحمار لشراء ما تستلزمه جلسة الشاي مع القايد، وأن الناس جميعهم كانوا ينظرون إليه بعين الحسد على التشريف الذي حظي به، وأن زوجته المسكين، لجهلها تسأل عن الحمار ولوازم البيت وما سيأكل الأولاد….].

تبدو هذه الحكاية أقرب، في مضمونها، إلى النكتة، لكنها تحمل الكثير من الدلالات، أولها، مكانة القايد وسطوته داخل المجتمع، قرويا كان أو حضريا، فالقايد وأعوانه هم من يترجم وينفذ سياسة المخزن في أشكالها البسيطة بين الفئات الشعبية، بل أن بعض قياد الاستعمار بلغوا من الغطرسة ما لم يبلغه المخزن كمنظومة للحكم، حيث صارت علاقتهم مباشرة مع الاستعمار، وتاريخ المغرب الحديث والمعاصر حافل بهذه النماذج التي تناولها عدد من الباحثين، لذلك نجد شخصية القايد أقرب للتقديس بين هؤلاء البسطاء البؤساء الخنوعين الخوافين المهدورين المقهورين المبخسين. ثم إن شخصية الفلاح البسيط الذي باع حماره ليحظى بمرافقة القايد في جلسة شاي، إنما هي انعكاس لفئة عريضة من الناس الذين يصعب تصنيفهم ضمن خانة اجتماعية تأخذ الحق والواجب كمعيار لتكريم الفرد وبالتالي الجماعة، لأن تسلط ذوي السلطان ما كان ليستتب لهم أمر البقاء لولا استكانة أفراد الشعب للخوف. من هنا تعكس شخصية القروي صاحب الحمار درجة الخوف لديه لدرجة يختلط فيها الخوف بالسعادة، أو يتوهم السعادة بمجالسة القايد، وفي ذلك تبخيس لذاته ولشخصيته المستلبة. كما تبرز الحكاية مدى القهر الذي تعيشه الزوجة المرابطة في الخيمة، ومن خلالها الأولاد الذين يعيلهم رب أسرة من طينة هذا القروي. هذه العلاقة تحكمها عقلية الهيمنة، بحيث تقوم الجهة المهيمنة بتسطير قوانين لتضفي الشرعية على أفعالها، ومنها فعل الهيمنة والإخضاع، وبالتالي لابد من وضع إطار يتيح التحكم في مجريات الحياة العامة، أو ما يسمى بالشأن العام، لضرورة يخضع لها الجميع ويتم الاتفاق عليها ضمن مؤسسات توطنها الدولة ذاتها، وهنا يأتي دور اللعبة الديمقراطية التي تفسح المجال للمواطن كي يمارس أو يتوهم أنه يمارس حريته ويدافع عن حقه، علما أن الأمر لا يعدو نظاما système يخضع له الجميع وتتحكم في دواليبه جهات من مركز القرار منفتحة على الخدمات الخارجية التي في الغالب لن تكون مجانية، والحديث هنا عن الدول المتخلفة بمفهوم من المفاهيم، أي تلك التي لا تزال متخلفة عن الركب الحضاري مقارنة مع الدول التي قطعت أشواطا في مسار التغيير وتحقيق الحرية والقليل من العدالة الاجتماعي، ولو أنها هي أيضا تبدو على درجة من الطغيان والتسلط حين تضطهد بلدان أخرى عبر استعمارها أو اختراقها أو إخضاعها والدخول في محور الشر الذي تقوده إسرائيل عبر أمريكا …

ولا ضير من الإشارة هنا، في سياق الكلام، إلى مفهوم المواطن الذي لا يعدو صفة إدارية تثبتها بطاقة للتعريف، وليست الهوية، لأن الهوية لها ارتباط بالأرض، فيمكن أن تكون مواطنا بلجيكيا أو فرنسيا أو أي بلد آخر، فقط لأنك تحمل بطاقة مواطن مقيم بهذا البلد وتعيش فيه وتحصل على جنسية ذلك البلد، ويمكنك البقاء هناك إلى الممات دون أن تكون مطالبا بالرحيل ما دمت منضبطا لقوانين ذلك البلد، حيث يتم احترام حريتك العقدية والفكرية. فصفة المواطن لها مفهوم إداري صرف، لأن الانتماء للأرض يكون على مستوى الأصول، أما ما تلاها فهو نتاج الدينامية والحركية البشرية في التنقل بين أرجاء المعمور، ثم ما أفرزته الحروب وسنوات الاحتلال والاستيطان والغزو والهجرة نحو بلدان أخرى بسبب المجاعات أو الهادفة لتغيير بنية مجتمع ما، من هنا فلا يمكن اعتبار جورج واشنطن أوأبراهام لينكون أوأوباما، أو غيرهم، أمريكيي الأصول رغم توليهم رئاسة أمريكا، لأن الهنود الحمر هم الأمريكيون، هم بناة حضارتي الإنكاInca والأزتك … لهذا وجب الفصل بين مصطلح مواطن الذي تم تحميله أكثر من معناه الإداري الضيق. من هنا فالمراد بالمواطن، مثل صاحب الحمار في الحكاية التي أوردنا، والذي يتوجب عليه الانصياع والطاعة والتعبير عن الفرح والغبطة تجاه من يسنون القوانين ويتحكمون في دواليب تدبير الشأن العام ، أي من بيدهم السطلة والمال وبالتالي القوة التي تخضع الشعوب التي تصبح مقهورة مهدورة دون إشراكها في هذا التدبير أو توزيع الثروات، بل تبقى، هذه الشعوب، مفعولا بها من طرف النظام  système …

وفي مقابل هذا التسلط ، لذوي القوة والمال ، تنبري الشعوب المقهورة إلى انتاج ثقافة تخصها ، تدون من خلالها أفراحها وأتراحها، وهي الموسومة بالثقافة الشعبية التي لا يمكن الحد منها أو كتمانها أو قتلها أو اعتقالها أو رسم حدود لها، لأنها تحقق البعد الإنساني. لهذا، وبالعودة للتراث الثقافي اللامادي سوف نجد تأريخا لتفاصيل الحياة اليومية للشعوب، فمهما علا شأن الثقافة السياسية لن تصل درجة الحقيقة أو إخماد نفس الثقافة الشعبية. أما قصة صاحب الحمار والقايد، فهي تختزل علاقة السلطة في أشكالها البسيطة مع المواطن بالمواصفات سالفة الذكر.

+++++++
الهوامش :

1ــ ومنهم الباحث الجزائري سعيدي محمد ،الأدب الشعبي بين النظرية والتطبيق ،ديوان المطبوعات الجامعية،الجزائر، 1998
2ـ Vladimir Propp, Morphologie du conte,7. Le héros se laisse tromper
3ـ كلود ليفي شتراوس ، الأسطورة والمعنى ، ترجمة شاكر عبد الحميد ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ،ط1، 1986

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*