الرئيسية > الحدث القانوني > المساعدة القضائية بين مجانية الدفاع وأداء الأتعاب في القانون المقارن (ج 2)

المساعدة القضائية بين مجانية الدفاع وأداء الأتعاب في القانون المقارن (ج 2)

 

نظرا لما يحظى به نظام المساعدة القضائية من اهتمام بالغ…وبالنظر لكونه يعد تطبيقا لمبدأ مجانية القضاء للمعوزين الذين يعجزون عن تحمل نفقات التقاضي أمام المحاكم للدفاع عن حقوقهم، ولأنه أنشأ بصفة أساسية لتعويض انعدام المساواة الخطير الموجود في مبدأ مجانية القضاة، ارتأينا أن نخصص ملف هذا العدد وما يليه لهذا الموضوع المهم، لما يشكله من أهمية بالغة في المجال القانوني، وذلك عبر طرح عدد من المحاور التي ستضع الأصبع على كل ما يتعلق بنظام المساعدة القضائية.

 

تقديم حفيظة بوضرة

 

إن المساعدة القضائية التي يستفيد منها المتقاضي تدخل في إطار الرسالة الإنسانية النبيلة التي ما فتئ يقدمها المحامي للمجتمع، بمؤازرته للمستضعفين بالمجان، فهو بذلك يؤدي خدمة اجتماعية في نفس الوقت، ذلك أن مهنة المحاماة خلال تاريخها كان يتولاها شخص ينتمي إلى طبقة النبلاء يقدم خدماته بدون مقابل، إلا ما كان يتلقاه المحامي من هدايا رمزية، ففي العهد الروماني كانت لمهنة المحاماة مكانة رفيعة في المجتمع، وأن أجرة المحامي كانت تتمثل في الاحترام الذي يتلقاه من عموم الناس، وبذلك ظلت مهنة المحاماة من اعز المهن وأشرفها على الإطلاق، ولا تزال منبرا لنصرة المظلوم، والسعي إلى تحقيق العدالة.

وما دمنا بصدد بحث نظام المساعدة القضائية بين مجانية الدفاع وأداء الأتعاب، فقد ارتأينا تقديم هذا البحث من خلال عدد من المحاور..

 

إعداد النقيب السابق لهيئة المحامين: ذ: بنعيسى المكاوي

 

المبحث الثاني: مجانية الدفاع في إطار المساعدة القضائية:

 

إن مهنة المحاماة حرة ومستقلة، وان المحامي لا يتلقى أي راتب من الدولة ولا أجرا من أي جهة، فهو يبقى دائما وكيل خصم يسخر جهده وعلمه ويهدر وقته لصالح موكله، لذلك أصبح من حقه أن يتقاضى المقابل عن متاعبه.

إن جميع القوانين المتعلقة بتنظيم مهنة المحاماة تعطي هذا الحق للمحامي في إطار اتفاق بينه وبين موكله، وفي حالة عدم أداء أتعابه سواء كان هناك اتفاق ام لم يكن فانه براجع النقيب في تقدير الأتعاب، وفي بعض القوانين تراجع مجالس هيئات المحامين، وفي مصر كانت تراجع لجنة ثلاثية من النقابة الفرعية للمحامين حسب المواد 83-84-85 من قانون المهنة، إلا أن المحكمة الدستورية العليا قضت في سنواتها الأخيرة بأحكامها الصادرة في 16/12/1993 ، وفي 05/06/1999 بعدم دستورية أغلب فقرات هذه المواد، باعتبار أن لجنة النقابة الفرعية قد تقوم بمراعاة جانب المحامي على حساب الموكل، وأصبح الخلاف الآن يعرض على القضاء الذي يبث في تقدير الأتعاب للمحامي إذا كان هناك تقاعس من داء الأتعاب له من طرف موكله.

هذا بخصوص الأتعاب التي تعطى للدفاع من دون إطار المساعدة القضائية، أما إذا كان المتقاضي يستفيد من المساعدة القضائية فانه من المفروض أن الدفاع لا يتقاضى أجرا وانه يؤدي واجبه بالمجان، إلا انه ونظرا للاعتبار الملقاة على كاهل المحامي من أداء المصاريف والضرائب وما يتطلب ذلك من تسيير مكتب للمحامي، فنه قد أصبح من الضروري أن تؤدى له الأتعاب من طرف الجهة المعينة له للدفاع في إطار المساعدة القضائية.

إن المجانية في إطار المساعدة القضائية هي الأصل ذلك انه قبل الثورة الفرنسية لم يكن يسمح للمحامي أن يطالب موكله بالأتعاب.

في فرنسا قبل الثورة، لم يكن يسمح للمحامي أن يطالب موكله بالأتعاب، فالأتعاب اعتراف بالجميل تقبل اذا قدمت ولا يتم المطالبة بها.

فهكذا قد سبق للقضاء الفرنسي أن عاقب محاميا طلب أتعاب من موكله المستفيد من المساعدة القضائية ( نقض فرنسي بتاريخ 14/05/1985 دالوز سيري 1987 الكتاب 13 ص 123).

أما الفقه الفرنسي فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، فقد النقيب أبلوتون أن المحامي المعين في إطار المساعدة القضائية يمنع عليه أن يطلب أتعابا وأن لا يقبلها حتى ولو عرضت عليه.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية توصي نقابة المحامين بان يتبرع كل محام ب 50 ساعة على الأقل من وقته سنويا للدفاع على من يحتاج الدفاع عنه في القضايا المختلفة.

هذا، وإنه طبقا للمادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 03/14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فإنه لم تكن للشخص مساعدة قضائية  يجب أن تمنح له هذه المساعدة دون مقابل، إن لم يتمكن من توفير هذا المقابل، وفي كثير من الدولة يعفى الشخص ذي الدخل المحدود من الرسم القضائية كما يكفل له حق الدفاع وفق ما هو منصوص عليه في دساتير بعض الدول.

وفي  أوربا وطبقا للفصل 6 من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان والحريات  الأساسية، وعلى الرغم من ان المادة كانت تنصرف إلى القضايا الجنائية، فان المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان قد قضت بامتداد مبدأ الحق في المساعدة القانونية إلى القضايا المدنية، ولقد وقعت الدول الأوربية على الاتفاقية الأوربية ما عدا ألمانيا، وفي بعض الدول لا يعفى المتقاضي من المساعدة القضائية إذا كانت قيمة الدعوى تقل عن مبلغ معين، ففي هولند لا تجيز المساعدة القضائية التي تقل قيمة دعواه 180 يورو، وفي اسبانيا كذلك يمكن الحصول على المساعدة القضائية في أي دعوى تتجاوز قيمتها 900 يورو.

المبحث الثالث: أتعاب الدفاع المعين في إطار المساعدة القضائية في القانون المقارن:

إن الفاصل في الوكالة أنها تبرعية ما لم يوجد اتفاق على الأجر بين الموكل والوكيل، لكنها تعد مأجورة متى كان الوكيل ممن يحترف المهنة.

ونظرا إلى أن المساعدة القضائية كانت بالمجان  يقدمها المحامون بدون مكافأ وبدون الالتفات إلى الأعباء التي تثقل كاهلهم من تعدد الضرائب ومصاريف تسيير مكتب وما شابه ذلك، ونظرا إلى أن جل الأنظمة تنبأت إلى الدور الإنساني والاجتماعي الذي يعلبه المحامي وهو دور ينفرد به دون غيره من أصحاب المهن الأخرى.

ففي اسبانيا كغيرها من دول الاتحاد الأوروبي تحدد أتعاب  المساعدة القضائية طبقا للقانون 1/ بتاريخ 10/01/1996 والمرسوم الملكي التطبيقي لنظام المساعدة القضائية المجانية عدد 969 بتاريخ 05/07/2003 .

إن هذا القانون لم يسم المبلغ الذي يتقاضاه المحامي المعين في إطار المساعدة القضائية بأتعاب، وإنما سماه دعم المساعدة القضائية بمعنى أن الدولة تدعم المعوز الذي لا تسمح له ظروفه المادية لأداء أتعاب المحامي أو المصاريف القضائية، وبذلك ففي نظر الدولة فإن المبالغ التي تؤديها فهي دعم وبالنسبة للمحامي فهي أتعاب عن المجهود المبذول من طرفه.

فما دمنا نناقش الموضوع من زاوية المحامي فإننا ننطلق باعتبار تلك المبالغ هي أتعاب.

تحدد هذه الأتعاب في اسبانيا حسب طبيعة النزاع ثم حسب درجات التقاضي وأعلى ما يؤدى هو 300.51 أورو أمام محكمة المحلفين أو أمام المحكمة الجنائية وأقل ما يؤدى 12 اورو عن تقديم الطلبات والشكايات، فإذا كانت المحكمة المعروض عليها النزاع تبعد عن مقر الهيئة بأكثر من 50 كلم، فتؤدى مصاريف التنقل حسب 50 أورو وتؤدى في نفس الوقت قيمة الأوراق المستعملة حسب 18.03 أورو لألف ورقة.

فمن الأتعاب المحددة لكل قضية يؤدى تسبيق بنسبة 70% للمحامي المعين في إطار المساعدة القضائية وذلك في بعض القضايا واردة على سبيل الحصر بينما يؤدى الباقي أي 30% عند إنهاء القضية، وأما المعدل العام في تحديد أتعاب المساعدة القضائية لكل قضية كيفما كان نوعها ودرجة تقاضيها فهو 87.85 أورو وهو مبلغ يقل عن المعدل العام الذي كان قد أتى به المرسوم الملغى والذي هو 1566.66 درهم لكل قضية كيفما كان نوعها ودرجة تقاضيها.

هذا وإن مقاطعة مدريد قد جمدت هيئة المحامين بها المطالبة بهذه الأتعاب منذ أكثر من ثلاث سنوات اعتبار للأزمة الاقتصادية التي تمر بها اسبانيا.

وأنه على غرار ما هو معمول به في مرسوم المساعدة القضائية بالمغرب الصادر بتاريخ 01/11/1966 فإن المساعدة القضائية باسبانيا يستفيد منها جميع مواطني المقاطعات الذين يثبتون العوز، كذا جميع العمال المقيمين بصفة شرعية باسبانيا بغض النظر عن جنسيتهم والذين لا دخل لهم إلا ما يتقاضونه من الأجر، وكذا باقي الأشخاص الذين أبرمت دولهم اتفاقية قضائية في هذا الشأن مع اسبانيا.

إن المساعدة القضائية كما أنها تمنح للأشخاص الطبيعيين، فإنها تمنح أيضا للأشخاص المعنويين الجمعيات والمؤسسات العمومية بنفس الشروط السابقة.

ويعتبر العوز في الشخص الذي يتقاضي أقل من ضعف الحد الأدنى للأجر، حيث كلن سنة 2008/527.24 أورو في الشهر، وإذا كان دخل طالب المساعدة القضائية يتعدى هذا الحد للأجر أي ضعف الحد الأدنى فيكفيه أن يثبت العجز عن أداء الرسوم القضائية.

إن أتعاب المساعدة القضائية تخصم من الميزانية العامة للدولة، ففي سنة 2008 خصص مبلغ 217.707.018 أورو لدعم المساعدة القضائية لعدد سكان اسبانيا الذي هو 458359 أي 4.90 أورو لكل شخص .

أما طريقة صرف أتعاب المساعدة القضائية للمحامي، فإنها تتم وفق المسطرة التالية إن لم يكن قد توصل بتسبيق بنسبة 70% في بعض القضايا كما سبق الذكر .

بعد إنهاء المحامي المعين في إطار المساعدة القضائية من طرف نقيب الهيئة مهامه، عليه أن يقدم كل ثلاثة أشهر الطلب بخصوص تلك الملفات التي أنجزها إلى لجنة منبثقة عن مجلس الهيئة المحلية برئاسة النقيب التي تتولى دراسة موضوع استحقاق الأتعاب للمحامي، فإذا كان الطلب مستوف للشروط القانونية، فإنها تؤشر على الطلب وتبعث به رفقة لائحة الأتعاب إلى المجلس العام للنقابة الوطنية بمدريد الذي هو المنسق والمنفذ الأعلى بالنسبة لجميع النقابات الاسبانية الذي يتولى دراسة الملف من جديد، وفي حالة موافقته عليه يبعث به إلى وزارة العدل التي تراجع من جديد اللائحة ومدى استيفاء الشروط القانونية، ويتم حينئذ التأشير  بالأمر على الاستيفاء ويحال مبلغ الأتعاب على المجلس العام للنقابة الوطنية الذي يتولى الإحالة على النقابة المحلية التي تتولى بدورها صرف المبلغ للمحامي المعين.

هكذا تتم عملية تصفية الأتعاب تحت إشراف نقابة المحامين التي ينتمي إليها المحامي المعين في إطار المساعدة القضائية في اسبانيا.

فإذا كنا قد أوردنا نظام أتعاب المساعدة القضائية في اسبانيا كدولة من دول الاتحاد الأوربي، وهو نظام لا يختلف كثيرا عن باقي الأنظمة في الاتحاد لا من حيث تحديد الأتعاب ولا من حيث جهة صرفها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*