الرئيسية > الحدث > حديث بالمناسبة : العطلة المدرسية

حديث بالمناسبة : العطلة المدرسية

إدريس هابي

يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، تذكرت هذه المقولة التي أصابت الحقيقة الناصعة في الصميم عندما قالت لي حفيدتي الصغيرة : ”لقد دخلنا في عطلة مدرسية مدتها أسبوع كامل ، ثم أردفت تقول: ”لاشك أن المسؤولين أرباب الحل والعقد الذين قرروا هذه الإجازة الربيعية يهدفون إلى إتاحة فرصة زمنية يستريح فيها التلاميذ من أتعاب الدراسة وأوصاب التحصيل ، ويستعيدون خلالها حيوياتهم التي تبددت بفعل المجهودات الجبارة التي بذلوها وهم يتلقون ويسعون وراء الإحاطة والاستيعاب ”، غير أنها تابعت قائلة وقد أخذتها الحيرة والدهشة: ”كيف سيتأتى للتلاميذ أن يستفيدوا من العطلة ويجددوا نشاطهم وقد حملوا معهم إلى بيوتهم كمية ثقيلة من التمارين والواجبات ومعها أوامر صارمة بحتمية إنجازها أثناء العطلة وإحضارها يوم الإياب إلى المدرسة ”، ثم تابعت قائلة: ”كان عليهم أن يذرونا نلهو ونلعب ونخرج إلى المروج الخضراء لاستنشاق الهواء النقي والتمتع بالمناظر الطبيعية الخلابة حيث الفراشات ذات الألوان الزاهية والعصافير ذات التغاريد المطربة ، أو إلى البحار للتملي بزرقة مياهها الصافية ورمالها الذهبية ، أو إلى الهضاب المكسوة بأنواع الأعشاب والنباتات ذات الأريج الطيب والروائح الزكية ، بذلك يمكننا أن نكسب نشاطا جديدا وطاقة مبدعة هي وسيلتنا إلى التحصيل وخوض معارك التعلم واكتساب العلم”.
أفحمتني حفيدتي الصغيرة بقولها الصائب الذي هو عين الحق ، والذي يتماشى مع ما وصلت إليه النظريات التربوية الحديثة وأفصحت عنه الدراسات النفسية التي تؤكد  حاجة الأطفال إلى اللعب والترويح عن النفس بين الفينة والأخرى درءا للتعب الحاصل وتبديدا للإرهاق الناجم واستعدادا للمستقبل
، وقلت في نفسي كيف غابت هذه الحقيقة ذات البعد التربوي والنفسي عن أذهان السادة المدرسين الذين ولجوا معاهد التكوين حيث الاعداد ليس البيداغوجي وكيفية التدريس فحسب ، ولكن الإلمام الضروري بالنظريات التي لها صلة بالتعليم والمتعلم.

فطنت طفلة صغيرة لما لم ينتبه إليه كثير من رجال ونساء التعليم الذين لا هم لهم سوى إثقال كواهل الصغار بالحقائب المشحونة بالكتب والأدوات المدرسية ، وإرهاقهم بالواجبات البيتية التي ينبغي أن ينجز أكثرها بين جدران الحجرات المدرسية تحت إشراف المدرسين.

أعتقد أن الصواب الذي لا يقبل النقاش ولا يستسيغ الجدال هو أن تترك العطلة لأصحابها التلاميذ ينفقون زمنها في اللهو الطفولي ، والاستجمام المفيد للبدن والنفس معا، مع التوجيه والإرشاد إلى المطالعة الحرة التي هي السبيل إلى الثقافة العامة وتوسيع دائرة المعلومات ، ولا تخفى على ذي عقل راجح أهمية عادة القراءة الحرة التي إذا سكنت قلبا أضحت الكتب لديه أعز وألذ من كل طعام شهي ، القراءة الحرة التي لا يعبأ بها أكثرنا لأننا لم نؤخذ بها ولم نعود عليها أيام الطفولة والفتوة حيث جذوة القابلية متقدة أيما اتقاد ، ومن ثمة نحسب من الأمم المتخلفة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*