الرئيسية > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الأحمر: حكومة العثماني: توافقات بطعم الانشقاق

الخط الأحمر: حكومة العثماني: توافقات بطعم الانشقاق

زهر الدين طيبي: هل الفيتو الذي كان يرفع في وجه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كان خاضعا للمزاج السياسي لبنكيران فقط أم أنه كان مبنيا على قناعات إيديولوجية وسياسية ومبدئية بخصوص الأحزاب التي يمكن أن يتحالف معها حزب العدالة والتنمية في تشكيل الحكومة؟ وهل يمكن فهم نجاح العثماني في تشكيل الحكومة كفشل لبنكيران في هذه المهمة؟ وفي المقابل، هل” صمود” بنكيران في وجه الاتحاد الاشتراكي يعني تخاذل العثماني؟ ولماذا تأخرت الحكومة؟ هل بسبب شخص بنكيران أم بسب مشاركة الاتحاد الاشتراكي من عدمها فيها؟

أسبوع واحد فقط كان كافيا لسعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المعين الجديد، ليعلن أنه تمكن من جمع مكونات الأغلبية الحكومية، التي فشل فيها سلفه عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، لأكثر من خمسة أشهر من المفاوضات الشاقة، بالرغم من إعلان جل الأحزاب استعدادها للمشاركة في هذه الحكومة. قد يبدو ظاهريا، أن البلوكاج كان يرتبط ببنكيران، ورفضه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وبالتالي اعتبار أن حزب الوردة كان هو سبب الأزمة التي عصفت بعبد الإله بنكيران، لكن لا أحد استطاع فهم سبب تحول موقف حزب العدالة والتنمية وتراجع العثماني عن قرار الأمانة العامة لحزب “المصباح” وقبوله دون مبررات منطقية بوجود رفاق لشكر إلى جانبه في الحكومة المقبلة، باستثناء عبارة القرار السيادي.

ما من شك أن الوصول إلى الأغلبية الحكومية بهذه السرعة ووفق هذه الشاكلة يثير بعض الملاحظات أولاها يكمن في كون العقدة في تشكيل الحكومة كانت ترتبط ببنكيران أكثر من ارتباطها بهياكل الحزب وقراراته، وإلا لما استطاع العثماني تغيير قرار المجلس الوطني وإقناع الأمانة العامة للحزب بذلك. وقد يفهم أيضا من تشكيل الحكومة بهذه السرعة بأن حزب العدالة والتنمية استوعب الدرس جيدا من تجربة بنكيران، وبات يبتعد بنفسه عن الاستقواء بشرعية الصناديق، وهو ما أسماه لشكر في وقت سابق بعبارة “الحزب المتصدر ضل حبيس رقم”.

إن تنازل حزب العدالة والتنمية عن شروطه واشتراطاته والقبول بتشكيل حكومة وفق هذه المقاسات سيصعب كثيرا من مهام التعايش السياسي بين مختلف مكوناتها، وستجعله يواجه معارضة من داخل الحكومة حيث سيقزم من وضعه أكثر، وسيكون محكوما بالخضوع لـ”لاءات” المكونات الحكومية.

صحيح أن العثماني يريد أن يبرهن عن الاختلاف في أسلوبه عن بنكيران في إدارة الحوار ومفاوضات تشكيل الحكومة، ويريد أن ينهي مرحلة بنكيران بإيجابياتها وسلبياتها، إلا أن قبول الاتحاد الاشتراكي في الحكومة سيثير الكثير من المشاكل سواء داخل الحزب أو خارجه وسيضع حزب العدالة والتنمية تحت محك المصداقية ووحدة صفه، في ظل وجود أحزاب هشة تختزل مشروعها في الحصول على الحقائب والمناصب.

 

من هنا نطرح السؤال، ماذا يحدث داخل حزب العدالة والتنمية؟ وما الذي جعل موقفَ قيادة الحزب يتغيّر بين عشية وضحاها؟ ولماذا لمْ يصْمُد هذا الموقف في وجْه إصرار زعيم الاتحاد الاشتراكي على إدخال حزبه إلى الحكومة؟ ثم إلى أي حد سيؤثر فتْح العثماني أبواب الحكومة لإدريس لشكر على التماسك الداخلي لـ”حزب المصباح”؟

ما بين تدبيج “تدوينات” تعبر عن الحزن والإحباط في مواقع التواصل الاجتماعي وتصريحات تصف الأغلبية الجديدة بحكومة أقل الضررين، وصولا إلى اعتبار الأمر “انتكاسة” داخلية وتقديما لتنازلات سياسية مرورا بمحاولة تبرير المواقف، بدا واضحا أن غضبا عارما يسود وسط قواعد حزب العدالة والتنمية، وحتّى وسطَ قيادييّه، وذلك منذ اللحظة الأولى لإعلان رئيس الحكومة المعيّن، سعد الدين العثماني، لائحة الأحزاب التي ستشكّل حكومته. لحسن الداودي ذهب إلى حد القول مباشرة للصحافيين إنّ “سعد الدين العثماني كان مُجبرا على أن يُخرج حكومة ليست هي التي كان يرغب فيها مائة في المائة”، فيما عجلت خطوة القبول بحزب الاتحاد الاشتراكي، بتقديم مجموعة من الأعضاء لاستقالاتهم من عضوية وأجهزة الحزب، كرد فعل غاضب من “حكومة سعد الدين العثماني”.

موجة الاستياء والغضب التي انتشرت وسط مناضلي الحزب عقب تنازل العثماني عن شروط بنكيران وقبوله ادخال اتحاد لشكر الى الاغلبية، خيمت بضلالها على اجتماع الامانة العامة للحزب، بعدما وجه عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، دعوة لأعضاء الأمانة العامة للحزب لعقد لقاء مساء  الأربعاء الماضي، كما ان نصيب الحزب الاول من الحقائب الوزارية كان بدوره حاضرا في النقاش خاصة بعد طرح الهندسة الحكومية، ومناقشة الحقائب الوزارية، التي ستسند إلى الحزب، قبل الحسم في الأسماء، التي سيتم استوزارها باسمه.

صحيح أن تنازُل العثماني عنْ أهمّ شرط وضعه سلفه بنكيران خلق رجة داخل حزب العدالة والتنمية وفي صفوف المتعاطفين معه، رجة وصلت إلى حد توجيه اتهامات صريحة للعثماني بالتخاذل، لكن التنظيم القوي لحزب العدالة والتنمية وشعار الرأي حر والقرار ملزم، يفترض أن هذه الأزمة ستكون لها تبعاتها حتما، لكنها لن تؤدّي بالضرورة إلى انشقاق في صفوف الحزب، رغم أنها قد تكون بداية لحدوث هزات واختلالات، لأنّ الشرخ غير بسيط هذه المرة، خاصة بعدما وجه عدد من أعضاء المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، رسائل مباشرة لسعد الدين العثماني يطالبونه فيها بعقد “برلمان الحزب”، وتقديم المبررات اللازمة حول تراجعه عن قرار استبعاد الاتحاد الاشتراكي من الحكومة. وهو ما يعني أن ردود الأفعال الغاضبة لا زالت تتناسل في صفوف عدد من مناضلي حزب العدالة والتنمية، على إثر ما باتوا ينعتونه بتنازل سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المعين، ورئيس المجلس الوطني للحزب عن شروط تشكيل الحكومة، التي وضعها سلفه، الأمين العام عبد الإله بنكيران. ويطالب قياديون، وأعضاء في برلمان الحزب، العثماني بإعطاء مبررات واضحة حول قبوله إشراك الاتحاد الاشتراكي في حكومته. فيما ذهب بعض أعضاء المجلس الوطني للحزب، إلى حد وصف تنازلات العثماني بالانبطاح، الذي ليس مجرد وجهة نظر تتطلب الشرح، وليس سلوكا يتطلب التبرير والتعليل، وليس مجرد خطأ يتطلب الاعتذار بقدر ما هو قرار إرادي بإلغاء الذات، وبسحق الكرامة أمام الآخر، إما خوفا، وإما طمعا. فيما اعتبرت بعض الأصوات داخل حزب المصباح أن ما قبله العثماني سيء، لكنها تساءلت حول ما إذا كان العثماني يملك حقا خيارات أخرى.

وفي الوقت الذي انتقد فيه عدد من قيادات “البيحيدي” في خرجات إعلامية، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي رضوخ العدالة والتنمية لشرط إدخال الاتحاد الاشتراكي للحكومة، اعتبر حزب لشكر أن مثل هذه المواقف “تشكل ضغوطات تعوق مشاورات سعد الدين العثماني، لتشكيل حكومته مع الأغلبية المعلنة”. واعتبر الاتحاد الاشتراكي في افتتاحية جريدته، الخميس الماضي، أن هذه الضغوطات، التي يتعرض لها العثماني مجرد “مزايدات بخلفيات، وأسباب ودواع مختلفة”.

لكن يبدو أن رفض الامانة العامة لحزب العدالة والتنمية بشكل قاطع ادخال ادريس لشكر شخصيا الى حكومة سعد الدين العثماني، في الاجتماع الاخير للأمانة العامة لحزب المصباح، يسير في اتجاه إمساك عصا المعارضة من الوسط داخل حزب المصباح، حيث رفض جل أعضاء الأمانة العامة ادخال ادريس لشكر الى الحكومة الجديدة، بعد ان قبل سعد الدين العثماني مشاركة الاتحاد في الحكومة دون الرجوع الى مؤسسات الحزب، ودون بسط كل المعطيات التي في حوزته لقادة الحزب، خصوصا وأن الاجتماع الاخير للأمانة العامة للحزب كان صاخبا وأجلت مناقشة ملفات الأستوزار لليوم الموالي، ولم يصدر عنه أي بيان للراي العام. وبدا واضحا أنه من الضروري أن يخضع العثماني لطلب الأمانة العامة لحزبه لتجنب عاصفة المعارضة، رغم صعوبة توقع رد الاتحاد الاشتراكي على ذلك.

الأيام القليلة القادمة ستكون حبلى بالمفاجآت، والمؤكد أنها ستكون أياما عصيبة تنتظر سعد الدين العثماني وحزب العدالة والتنمية، نتمنى أن يتمكن الحزب من تجاوزها لأننا في حاجة ماسة إلى أحزاب قوية ومنظمة بالمغرب، في ظل ترهل الأحزاب التقليدية وتشتت المشهد السياسي.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*