احدث المقالات
الرئيسية > الحدث > الحدث الجهوي > الخط الاحمر:السيد رئيس الحكومة: الولاء أولا للوطن والدستور وليس للحزب

الخط الاحمر:السيد رئيس الحكومة: الولاء أولا للوطن والدستور وليس للحزب

زهر الدين طيبي: بعد مرور أقل من 48 ساعة على إعلان القرار الملكي بإعفاء عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، من رئاسة الحكومة، إثر عجزه عن تشكيلها بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على تعيينه، عيّن جلالة الملك رئيس المجلس الوطني بحزب العدالة والتنمية، سعد الدين العثماني، رئيسا للحكومة الجديدة، ومكلّفا بتشكيلها.

ولعل أولى الأسئلة التي تطرح هي كيف يمكن قراءة هذا التعيين وهل سوف يتمكن سعدالدين العثماني من تشكيل الحكومة، وما تأثير هذا التعيين على مستقبل الأمانة العامة لحزب المصباح؟

الواضح أن التعيين الملكي الذي لم يخرج عن الوثيقة الدستورية، احترم التراتبية في هياكل الحزب، باعتباره كلف الرجل الثاني داخله بصفته رئيسا لبرلمان حزب العدالة والتنمية، لكنه في المقابل استبق اجتماع المجلس الوطني للحزب في دورة استثنائية السبت الماضي، وهو الاجتماع الذي كانت قد أعلنت عنه الأمانة العامة لحزب المصباح في وقت سابق، وهي إشارة يمكن قراءتها بأن المؤسسة الملكية لا تنتظر اختيارات مجلس الحزب لتحديد الشخصية التي يمكن تكليفها برئاسة الحكومة من الحزب المتصدر.

بدوره المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، أصدر في وقت متأخر من مساء يوم انعقاده، عقب اختتام أشغال هذه الدورة الاستثنائية التي أملاها إعفاء الأمين العام عبد الإله بنكيران من رئاسة الحكومة، وتعويضه بسعد الدين العثماني، بلاغا يساند فيه رئيس الحكومة المعين في مهمة تشكيل الحكومة، وفي نفس الوقت، ومن يقيد اختياراته برفض مشاركة الاتحاد الاشتراكي في أية أغلبية مرتقبة، للتأكيد بأن بنكيران لم يفشل في مهمته وأن الأحزاب الأخرى عقدت وصوله إلى الهدف. المجلس الوطني حاول الدفاع عن بنكيران وحسن تدبيره للتفاوض من أجل تشكيل الحكومة، حيث لم يفوت الفرصة دون إعلان “الاعتزاز بما قدمه الأمين العام طيلة الفترة التي تولى فيها رئاسة الحكومة من مبادرات إصلاحية شجاعة، وتقديم المصلحة العليا للوطن بكل كفاءة واقتدار ونكران ذات”. وخلص إلى التعبير عن “الاعتزاز بالتعيين الملكي لسعد الدين العثماني، رئيس المجلس الوطني والأمين العام السابق للحزب، رئيسا للحكومة”، بتعبير البلاغ، مع التعبير عن “دعمه، وكذا إبراز التقدير العالي لحرص جلالة الملك على توطيد الاختيار الديمقراطي وصيانة المكتسبات التي حققها المغرب في هذا المجال، واختياره الاستمرار في التفعيل الديمقراطي لمقتضيات الدستور المتعلقة بتشكيل الحكومة من خلال تكليفه شخصية ثانية من حزب العدالة والتنمية بصفته المتصدر للانتخابات”. لكن ألا يعتبر هذا التعيين بالنسبة لسعدالدين العثماني قنطرة للعبور إلى منصب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية في المؤتمر المقبل؟

الأرجح أن الجولة الأولى من المشاورات كانت شكلية على الأقل في مرحلتها الأولى، على اعتبار أن البيان الختامي لبرلمان حزب العدالة والتنمية في دورته الاستثنائية الأخيرة لم يترك هامشا كبيرا لسعد الدين العثماني في اختيار المنهجية المعتمدة لتشكيل الحكومة، ولا حتى اختيار الاحزاب التي يمكن معها تكوين ائتلاف حكومي، بل عمد البيان الى تكبيل يد رئيس الحكومة المعين على الأقل بقيدين:

الاول هو ما أسماه البيان بالاختيار الديمقراطي ونتائج الاقتراع ومقتضيات الدستور، وكلها عبارات تعني ان لا يخضع العثماني لمساومات بعض الأحزاب في إشارة لحزب التجمع الوطني للأحرار، وتعني ايضا وجوب تشبث العثماني بلاءات عبد الاله بنكيران وانطلاقه من حيث انتهى سلفه، باعتبار أن بنكيران كان يصرف سياسة حزب وليس سياسة شخص.

اما القيد الثاني الذي وضعه المجلس الوطني في يد العثماني هو تفويضه للأمانة العامة التي يرأسها بنكيران تدبير المشاورات، مما يعني ان رئيس الحكومة المعين مفروض عليه ان يحصل على الضوء الاخضر من الحزب وقيادته قبل ان يقدم على اي قرار. وهو ما يعني أن الحزب طوَّق عنق العثماني بشروط بنكيران السابقة، وفي مقدمتها تشكيل الحكومة دون مشاركة الاتحاد الاشتراكي، والحرص على التقيد بنتائج اقتراع السابع من أكتوبر وما وصفه بمقتضيات الخيار الديمقراطي. ألا يعني كل هذا أن الكلمة الأخيرة في مستقبل تشكيل الحكومة ستكون لقيادة الحزب وليس لقيادة الحكومة في شخص سعد الدين العثماني؟

على الميدان، وبعدما حظي الرجل الثاني في حزب العدالة والتنمية، سعد الدين العثماني، بثقة جلالة الملك الذي كلفه بتشكيل حكومة جديدة، شرع في مشاوراته من أجل تحقيق واحد من السيناريوهات الممكنة للتحالف لتشكيل أغلبيته، في ظل إكراهات متعددة تتأرجح بين قيود حزبه وشروط باقي الفرقاء، وهي الإكراهات التي لم يوفق في تجاوزها سلفه الأمين العام للحزب عبد الإله بنكيران. وعلى عكس المشاورات التي أجراها عبد الإله بنكيران، والذي تشاور مع كل أمين عام حزب على حدة، بدا تنسيق التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الدستوري واضحا؛ وذلك بعد حضور قيادة الحزبين مجتمعة للتفاوض مع رئيس الحكومة الجديد سعد الدين العثماني. وحضر إلى مقر حزب العدالة والتنمية، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، الذي كان مرفوقا بالأمين العام لحزب الاتحاد الدستوري، محمد ساجد؛ وذلك تأكيدا للتحالف الذي أعلنه الطرفان منذ مدة على المستوى البرلماني. رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، قال: “إن حزبي الدستوري والتجمع يؤيدان العثماني كرئيس للحكومة في خدمة الوطن”، مضيفا: “نريد الدخول في الحكومة مع العثماني، وسنشتغل معه كرئيس للحكومة”. وأكد أن الحزبين يريدان حكومة قوية ومنسجمة، إلا أن التطور اللافت هو تحاشى عزيز أخنوش، الإعلان عن مواصلة تشبثه بمشاركة حزب الاتحاد الاشتراكي في الحكومة ورفضه الإجابة عن أسئلة الصحافيين التي انصبت عن موقفه من مشاركة الاتحاد الاشتراكي في حكومة العثماني. واكتفى بالقول: “نثق في العثماني، ويجب أخذ العبرة والوقت الكافيين لتشكيل الأغلبية بما يخدم مصالح البلاد”، وهو ما يمكن فهمه بأن المستهدف لم يكن غير بنكيران كرئيس للحكومة، ومع ذلك وبعدما شرع رئيس الحكومة المعين في مفاوضاته لتشكيل الحكومة، لا بد من إبداء بعض الملاحظات وطرح بعض التساؤلات: من المكلف بتدبير المفاوضات لتشكيل الحكومة المنتظرة؟ هل هو رئيس الحكومة المعين أم الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية؟ ولماذا حضور قيادات من حزب المصباح في المفاوضات التي شرع فيها سعد الدين العثماني؟ هل للتأكد من تقيده بقرارات المجلس الوطني أم لمؤازرته في المفاوضات؟ ألا يفترض في رئيس الحكومة أن يكون صانعا للقرار السياسي؟ وكيف سوف يتعامل مع القضايا الكبرى للوطن؟ هل سوف يعود كل مرة للأمانة العامة لحزبه؟

المؤكد أن وجود قيادات حزبية من العدالة والتنمية مع رئيس الحكومة المعين، سعد الدين العثماني، خلال مباشرة الجولة الأولى من المفاوضات لتشكيل الأغلبية الحكومية، أثار الكثير من التساؤلات وحتى التعليقات التي تساءلت هل أن الأمر يتعلق بمحاولة ضمان تقييد العثماني بقرارات المجلس الوطني وعدم الخروج عما اتفق عليه، أم هو أكثر من ذلك رسالة لمن يعنيهم الأمر، مفادها أن المشاورات ستتواصل وفق منهجية الأمين العام عبد الإله بنكيران، المعفى من مهامه، باعتبار أن المتعارف عليه أن جلالة الملك اختار الشخصية الثانية داخل الحزب المتصدر للانتخابات وعين العثماني رئيسا للحكومة ومكلفا بتشكيلها، ولم يكلف الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية أو قيادييها. ثم أن منصب رئيس الحكومة المكلف يعني قانونا أنه رئيس حكومة مكلف لكل المغاربة، وبالتالي يبقى المفروض في الرجل المعين أن ينتصر إلى الولاء للوطن وللدستور وليس لأية ولاءات حزبية.

إن من بين ما تم تسجيله على عبد الإله بنكيران، طريقة تدبيره للاختلاف والمفاوضات بالإضافة إلى طريقة تواصله وخرجاته الإعلامية التي كانت تثير الكثير من الغموض، والأحرى بخلفه ألا يسقط في نفس الملاحظات، خصوصا وأنه سياسي ومنظر، كما أنه يعتبر الرجل الثاني في هياكل الحزب، لهذا فهو ليس قاصرا حتى يحجر عليه، كما أنه يفترض أن يكون رجل ثقة من طرف الأمانة العامة لحزبه، خصوصا وهو الذي حظي بالثقة الملكية، وبالتالي كان الأولى أن يتم تفويضه من طرف المجلس الوطني والأمانة العامة لحزبه، عوض أن يتم تفويض المجلس الوطني الأمانة العامة لاتخاذ القرارات المصيرية في تشكيل الحكومة، صحيح أنه ملزم بأن يحترم قرارات المجلس الوطني لحزبه، ولكن دون أن يتنازل عن اختصاصاته، لهذا نقول اتركوا رئيس الحكومة يشتغل لمصلحة الوطن، حتى ينجح في مهمته التي تكمن في تشكيل الحكومة الثانية في ظل دستور 2011، وحتى تستطيع الأغلبية الاتفاق على أولويات البرنامج الحكومي وقادرة على تنزيله.

على مستوى تشكيل الحكومة وبناء على الجولة الأولى من مشاورات سعد الدين العثماني، يرجّح أن تشرع الجولة الثانية بالتركيز على الأغلبية السابقة بالإضافة للاتحاد الدستوري، ويبدو من تصريحات زعماء الأحزاب بعد أولى جولات المفاوضات أنه من المرجح أن يتمكّن سعد الدين العثماني من تشكيل أغلبية حكومية دون الاتحاد الاشتراكي، إلا أن هندسة الحكومة قد تعيد الصراع على الحقائب داخل كل حزب أولا وبين الأحزاب التي سوف تشكل الأغلبية ثانيا. فاليوم الأول من مشاورات تشكيل الحكومة التي يقودها سعد الدين العثماني، كشف بداية تفكك تحالف الأحزاب الأربعة، الذي كان يضم التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الدستوري والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وبعد ان استقبل العثماني، رئيس التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، والأمين العام للاتحاد الدستوري، محمد ساجد، لم يرد أي تذكير بالتحالف الذي جمع هاذين الحزبين مع حزبي الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي، ما يؤكد أن هذه الأحزاب أصبحت تفاوض بأسمائها دون الدخول في تحالف. كما أن الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، إدريس لشكر، كان أكثر وضوحا، حينما قال “لن نقبل أن ينوب عنا أي طرف كيفما كان أو أن يتفاوض أحد باسمنا”، في إشارة واضحة إلى نهاية التحالف.

ما من شك أن كل هذه المؤشرات تفيد بإمكانية تجاوز العقبة الأولى التي واجهت بنكيران والمتمثلة في مشاركة الاتحاد الاشتراكي في الحكومة المقبلة من عدمها، إلا أن المشكل الأكبر الذي سوف يواجه رئيس الحكومة الجديد هو توزيع الحقائب، حيث يرتقب أن يتشبث حزب التجمع الوطني للأحرار بالوزارات الاقتصادية، وهو الموقف الذي سوف يتذرع برفضه معسكر بنكيران إلى جانب أجنحة أخرى أصبحت تميل أكثر نحو عدم المشاركة، والخروج للمعارضة وقد تدفع داخل الأمانة العامة لحزب المصباح في اتجاه رفض تقديم أية تنازلات في مرحلة إرساء الهندسة النهائية للحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية.

لكن المؤكد أن الأحزاب باتت تدرك جيدا الكلفة التي قد تهدد التجربة السياسية والنموذج الاقتصادي واستراتيجيات المغرب الإقليمية والدولية، خاصة فيما يرتبط بالملف الإفريقي، والتي تفرض جميعها ضرورة الاسراع بتشكيل الحكومة، خصوصا وهي التي تتغنى دوما بخدمة المصالح العليا للوطن، لأننا لسنا في حاجة إلى ضياع وقت أكثر.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*