الرئيسية > ملفات و تقارير > مشاهد من واقع معاناة الوجديين خلال شهر رمضان

مشاهد من واقع معاناة الوجديين خلال شهر رمضان

كتب أبو هبة الرحمان: مدينة وجدة التي تعرف خلال السنوات الأخيرة مشاريع كبرى في البنيات التحتية وشق الطرقات وتنظيم الشوارع وفك العزلة عن أحياء هامشية وخلق المساحات الخضراء والساحات العمومية، تشهد من الاختلالات التنظيمية والجمالية ما يعاكس إرادة والي الجهة الشرقية في تنظيم المدينة وتوسيعها والرفع من قيمتها العمرانية والجمالية والبيئية. فبين الحين والآخر يتحدث مسؤولون محليون عن محاربة النقط السوداء التي باتت تقوض كل الجهود المبذولة سلفا لإعادة الجمال والنضارة لمدينة الألف سنة، وحضر هذا الموضوع بحدة خلال شهر رمضان المبارك لما له من خصوصيات ثقافية واستهلاكية، لكن مطالب الوجديين برفع هذا الحيف عن مدينتهم وراحتهم تبقى صرخة بدون صدى في غياب نية حقيقية تعالج ظواهر خطيرة تنخر نظام  المدينة وسلامة المواطنين وصحتهم، ظواهر رصدناها في معاينات ومشاهد ميدانية. الريبورتاج التالي الذي نقدمه على شكل مشاهد نرصد فيه غياب إستراتيجية حقيقية للتمهيد لاستعادة مدينة وجدة نظامها وطمأنينتها وضمان قسط من العيش الكريم لسكانها.

المشهد الأول: الانقطاعات المتكررة للماء الصالح للشرب تقض مضجع السكان

بعد الزوال من يوم حار تجاوزت درجة الحرارة فيه 40 درجة، تفتح صنبور منزلك ولا يخرج منه سوى صوت رهيب يحدثه ضغط فراغ القنوات من أي قطرة ماء، تحاول البحث عن قنينة ماء مخبأة لعلها تخفف من حرارة جسمك وتعيد إليك قسطا من حيويتك التي أنهكتها موجة الحرارة المرتفعة خلال الأسبوع المنصرم، فلا تجد إلا ما سيوظف في إعداد وجبة الفطور على أحسن تقدير، ترفع السماعة لتتصل بالوكالة المستقلة لتوزيع الماء بوجدة بغية الاستفسار عن هذا الانقطاع غير المعلن عنه سلفا، ويكون الجواب عبارة عن اعتذار معلل بعطب تقني سيتم إصلاحه في غضون الساعات القليلة المقبلة، ويبقى الانتظار سيد الموقف إلى أن يتم الإفراج عن تلك القطرات من الماء التي لا يمكنها أن تتعدى الطابق السفلي من المسكن لضعف الصبيب الذي تم التحكم فيه خلال الأشهر الماضية. بعض المقربين من الوكالة ربطوا هذه المشاكل  بالمسؤول الجديد عن القطاع الذي ينهج سياسة مفادها ضرورة الاقتصاد في استهلاك هذه المادة الحيوية، البعض الآخر اعتبر هذا المشكل نتيجة تآكل القنوات مما يفرض تقليل الصبيب حتى لا تصيبها الأعطاب، جهة ثالثة ترى أن أصل المشكل يعود إلى غياب استراتيجية واضحة لدى أطر الوكالة لضمان الماء الصالح للشرب لكافة الأحياء بالمدينة. أمام هذه التأويلات غير المؤكدة يضيع حق المواطن في الاستفادة من خدمات هذه الوكالة.

المشهد الثاني: رائحة المطرح العمومي تجبر السكان على غلق النوافذ في عز الصيف

في منتصف الليل من ليالي رمضان حيث يحاول السكان ضمان تيار هوائي للتقليل من حرارة المنازل، تنبعث رائحة كريهة من المطرح العمومي خصوصا بالأحياء الواقعة جنوب وشرق المدينة تجبر السكان على غلق النوافذ والشرفات تفاديا لهذه الرائحة الكريهة، هذه الرائحة ومن خلال استفسار مسؤولين بالمدينة تأتي نتيجة غياب مادة تستعمل للتقليل من رائحة العصارة، المؤكد أن هذا المطرح طبل له كثيرا عندما كان المشروع لا زال قيد الدراسة، والمؤكد أيضا أن للمطرح دفتر تحملات ينبغي احترامه، لكن ما ليس مؤكدا هو من يتستر عن هذه التجاوزات، وما هي الجهات التي تحاول التقليل من هذا الاختلال الواضح الذي له انعكاسات خطيرة على صحة المواطن ومحيطه؟

المشهد الثالث: ساحة باب سيدي عبد الوهاب يفتحها النشالون فتحا مبينا
الرابعة والنصف بعد زوال كل يوم من أيام رمضان المبارك، نقطة معينة في مدينة وجدة ، إنها بالتأكيد ساحة باب سيدي عبد الوهاب والأسواق المجاورة، تتحول يوميا إلى خلية نمل حقيقية من خلال مئات المتبضعين والنشالين الذين يتربصون بالمغفلين الذين زادهم الصيام غفلة واسترخاء، مشهد يتكرر في كل لحظة وحين، متبضع يتفقد جيبه لأداء ثمن ما اشتراه، فلا يجد إلا بقايا القطع النقدية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، حيل كثيرة ينفذها النشالون الذين يختارون فرائسهم باحترافية متميزة، قد تكون عصابة متعددة الأفراد، أحدهم يلهي الضحية والآخر ينفذ العملية وثالث يراقب عن بعد، أو يعمد أحد أفراد العصابة إلى التظاهر بالتشاجر مع زميله لخلق نوع من التدافع لينفذ ثالث عمليته التي غالبا ما تكلل بالنجاح وإذا كان إصرار العصابة على النجاح في المهمة قد بلغ منتاه، فاللجوء إلى استعمال السلاح الأبيض أو العنف بصفة عامة، يكون سيد الموقف.
الفضاء لا يخلو من حضور لمختلف أنواع القوات، لكنه حضور غالبا ما يوصف من طرف المواطنين بالحضور الصوري فلا القوات المتواجدة قادرة على تمشيط المنطقة من النشالين الذين يعرفهم تجار المنطقة والباعة المتجولون وكل من دأب على الحضور المتكرر بهذا الفضاء، ولا المواطن قادر على الاستنجاد برجال الأمن والقوات المساعدة التي تحولت في أغلب الأوقات لتتبع المشاهد عن بعد، أغلب المستجوبين قبيل إعداد هذا الريبورتاج أوضحوا أن أفراد القوات المتواجدة بالمكان، أنفسهم غير مأمنين من أخطار هذه العصابات، التي أغلب أفرادها من ذوي السوابق وتظهر على محياهم علامات الإجرام.
أبلغ ما يلخص به هذا الوضع هو أن النشالين والعصابات قد فتحت ساحة سيدي عبد الوهاب والأسواق المجاورة فتحا مبينا.
المشهد الرابع: الاحتلال يحول الملك العام إلى ملك خاص
قضية احتلال الملك العام بأسواق وشوارع مدينة وجدة أضحت الموضوع الأكثر تداولا من طرف كل المواطنين الغيورين على مدينتهم، فما عرفته أسواق وجدة من تكالب على الرصيف والطريق من طرف الباعة المتجولين يضفي على مدينة زيري طابع الفوضى المتفاقم، ومع حلول شهر رمضان بلغ هذا الاستغلال غير المشروع ذروته، حيث إن بعض الفضاءات التي تم تحريرها سابقا من الباعة المتجولين وتعويضها بأسواق جديدة، استعادت نشاطها وبشكل أكثر فوضوية كما هو حال سويقة حي السلام، التي بعد جهد جهيد تمكنت السلطات المحلية خلال السنة الماضية من تحرير هذا الجزء من الملك العام، لكن مع اقتراب شهر رمضان الأبرك، استعادت هذه السويقة نشاطها وتم إغلاق الفضاء الذي بني خصيصا لترحيل هؤلاء الباعة ليصير مرتعا للكلاب الضالة ومأوى للأغنام والمواشي، هذا الواقع لحال استغلال الملك العام بمدينة وجدة يعطي صورة حقيقية لحال الفوضى التي باتت تعيشها المدينة  والتي من جرائها تفقد المدينة نظامها ويفقد المواطن طمأنينته كما يفقد بسببها العديد من التجار موارد رزقهم ومضايقة محلاتهم التجارية من طرف الباعة المتجولين والفراشة، يقع هذا في الوقت الذي يكون فيه التجار المهيكلون مطالبين بأداء رسوم وضرائب مختلفة، قد تدفع بكثير منهم في حال تفاقمها إلى إعلان الإفلاس الحقيقي، وهو اللغز الذي لن يتمكن التجار من حله إلا بما عبر عنه أحد التجار بقوله: “سنكون مضطرين لإحراق أنفسنا بالبنزين ليتم النظر إلى حالنا المأساوي”
المشهد الخامس:عدد مآرب حراسة السيارات بعدد الشوارع والأزقة
هل يمكن لسائق سيارة الإفلات من أداء على الأقل درهمين لحارس السيارات في حال توقيفها بأي شارع أو زقاق بمدينة وجدة ؟ سؤال لن تكون الإجابة عنه إلا بالنفي، فأكثر الأزقة تحولت إلى مآرب خاصة وأغلب الشوارع القريبة من الأسواق لم تسلم من أصحاب البدلات الخضراء التي توهم السائق أن المكان هو بالمقابل
فهناك صنفان من حراس السيارات، حراس يعملون مع شركات استفادت بتفويت بعض الشوارع وفق دفتر تحملات لا تعرف جميع بنوده ولا كيفية تمرير هذه الصفقة، وصنف ثان يستغل شوارع وفضاءات كمآرب بالرغم من عدم توفر هذا الصنف عن تفويت قانوني، وبين الصنف الأول والصنف الثاني، العديد من التجاوزات التي كلها تصب في تكريس الفوضى بمدينة وجدة  بشكل يكاد يكون مقززا، فإذا كان الصنف الأول على الأقل يستغل الأرصفة وفق عقدة بين الجماعة والشركة التي بدورها تكون قد فوتت الشوارع لحراس مقابل ثمن كراء يومي يختلف من شارع لآخر حسب حركيته وطوله، فإن الكثير من التجاوزات تسجل على هذا الصنف، منها أنها تستمر في ممارسة الحراسة بالمقابل إلى وقت متأخر من الليل، وهو الأمر الذي أكد عدم قانونية مستشار بجماعة وجدة ، كما أنه في حال إبداء نوع من رفض الأداء للحارس، غالبا ما يتحول المشهد إلى مشهد للسب والقذف والتراشق بالأيدي، إن لم يرق إلى نزال حقيقي في الملاكمة وكل أنواع فنون الحرب، أما فيما يتعلق بالصنف الثاني فكله فوضى لأنها تمثل الوجه الحقيقي لابتزاز المواطنين والاغتناء غير المشروع لفئات معروفة تنتسب إلى العمل الجماعي ، والسؤال الذي يردده المهتمون وهو منطق العقل، هو أنه يمكن التساهل مع الفئات المعوزة في حالات استثنائية والتي لا تشكل تهديدا حقيقيا لطمأنينة المواطن وأمانه، أما اللوبيات من مستشاري وموظفي الجماعة الذين يلجؤون إلى هذه الحيل للاغتناء الفاحش فيتطلب نهج سياسة صارمة، والحيلولة دون قيام هذه المآرب التي أصبحت معروفة لدى الخاص والعام.
هذه مشاهد تتكرر يوميا وتنطق شاهدة على حال الفوضى التي وصلت إليها مدينة الألف سنة والتي لن يزيده ظرف اقتراب موعد الاستحقاقات المقبلة إلا استفحالا بسبب غض الطرف الذي يكون هذه المرة نابعا من استمالة هذه الشريحة من الباعة المتجولين ومستغلي الملك العام للتصويت على هذا المرشح أو ذاك، وهو يقين علمتنا إياه توالي التجارب الانتخابية الماضية.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*