الرئيسية > الحدث القانوني > مستجدات مسودة مشروع القانون الجنائي بين الإيجابيات والسلبيات

مستجدات مسودة مشروع القانون الجنائي بين الإيجابيات والسلبيات

الأستاذة سليمة فراجي: محامية – نائبة برلمانية – عضو لجنة العدل والتشريع : أي تشريع لا يستقر في وجدان أفراد المجتمع ويحدث الظلم أكثر ما يشيعه من العدل يكون مصيره التجاهل والنكران مهما تسلحت قواعده بأشد الجزاءات، ومن ثم كان من الواجب مراعاة مدى اقتناع أفراد المجتمع بهذه القواعد ومدى ملاءمتها لسير حياتهم محققة لمصالحهم الراجحة، موفرة للعدل لهم ورادعة لمن خرق مبدأ التعاقد المجتمعي بالإساءة والاعتداء على الحق العام، ذلك انه إذا كان الحق للجميع، فان القانون فوق الجميع.

لماذا نغير ونعدل القانون الجنائي ؟ 

من جهة لكون دستور 2011 يعتبر ميثاقا للحقوق والحريات الأساسية بامتياز ، إذ نص في تصديره الذي يعتبر جزء منه على سمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها ، على التشريعات الوطنية ، كما تصدى لجميع أشكال الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ونص على حرية الرأي والتعبير والمعتقد وحرية الصحافة والحق في الوصول الى المعلومة وتعزيز استقلال السلطة القضائية ، والتركيز على الديموقراطية التمثيلية والتشاركية والدفع  بعدم دستورية القوانين طبقا للفصل 133 من الدستور أثناء النظر في قضية ما، إذ بإمكان أي طرف الدفع بأن مقتضى وارد  في القانون الجنائي مثلا سيطبق في النزاع ويمس بالحقوق والحريات، من جهة أخرى لكون القانون يساير تطور المجتمع، وما يفرضه المنتظم الدولي خصوصا إذا علمنا أن التشريع انتقل من القومية إلى العالمية، مثال  ذلك ما نصت عليه المادة 294 من المشروع والتي تعتبر الجريمة المنظمة كل تنظيم محدد البنية مؤلف من ثلاثة أشخاص أو أكثر،  يكون لكل واحد دور محدد لارتكاب جريمة داخل تراب المملكة او عبر الحدود الوطنية من اجل الحصول على منفعة مالية،  وتعتبر الجريمة عابرة للحدود الوطنية ويعاقب عليها القانون الجنائي المغربي إذا ارتكبت في المغرب وتم الأعداد لجزء منها في الخارج آو أعدت في المغرب وارتكبت الجريمة في دولة أخرى آو إذا ارتكبت في المغرب وأضرت أثارها بمصالح دولة أخرى أو ارتكبت في دولة اخرى وأضرت بمصالح المملكة المغربية .

وإذا كانت فئة من الحقوقيين والمجتمع المدني تعتبر مسودة المشروع في قمة الماضوية passéiste والنكوص ومعدمة للحريات liberticide فان بعضهم والذي تجاوز عددهم  تسعة آلاف أنشئوا صفحة على الإنترنيت تحت عنوان : القانون الجنائي لن يمر معتبرين بعض المقتضيات في قمة التناقض مع دستور ثوري ضامن للحقوق والحريات ، ولا تعبر إطلاقا عن طموح الأفراد علما ان العبارات الغامضة والفضفاضة والمبهمة التي جاءت بها مثل زعزعة  عقيدة مسلم  وزعزعة الولاء للدولة ébranler وازدراء الأديان والإساءة إلى الله هذه الأفعال التي لا تعبرعن ممارسات المواطنين المغاربة ومن شانها أن تفسر للمس  بحرية الرأي والفكر والمعتقد  لتكميم الأفواه والرجوع بالمغاربة إلى سنوات التحكم والمساس بالحريات ، كما أن محاولة التضييق على الممارسات العادية للأفراد وحرية الكتابة وإرسال الصور وتبادل الآراء ولربما حتى الإبداع الأكاديمي والمعرفي والشعر الغزلي واللوحات الفنية والصور وأسلوب النقد والابتكار وتعليقات الصحافة وحرية التعبير والنشر والحق في الولوج الى المعلومة قد تواجه بمقتضيات غامضة كالإيماء والإمعان والإيحاءات  تفسر ويتم تأويلها للزج بالأشخاص في غياهب السجون أو أداء غرامات تم الرفع منها في مواد المشروع برمته استهدافا لجيوب المواطنين، إذ أصبح جلها يتراوح ما بين 2000 إلى 20000 درهما مثلا جريمة الإفطار جهرا في رمضان ارتفعت  بشأنها الغرامة من 2000 إلى 20000 بعد أن كانت محددة في القانون الجنائي الحالي ما بين 12 درهم إلى 120 درهما علما أن الدستور المغربي يضمن حرية ممارسة الشعائر الدينية . 

ولعل  أهم المقتضيات السلبية التي أثارت ردود أفعال فئة من الحقوقيين والهيآت المنظمة وأفراد المجتمع المدني والفنانين والمهتمين تتجلى في الإبقاء على عقوبة الإعدام رغم تخفيض عدد الجرائم التي تطبق عليها هذه العقوبة من 33 إلى 11 مستشهدين بما نص عليه الفصل 20 من الدستور الذي يضمن الحق في الحياة ، بالإضافة إلى مقتضيات المادة 219 من المشروع والتي تعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من 20000 إلى 200000درهم كل من قام بالإساءة أو الاستهزاء أو السب آو القذف في حق الله والأنبياء والرسل قولا أو بواسطة المطبوعات ووسائل الاتصال السمعية البصرية والإلكترونية أو الرسوم والكاريكاتور أو التمثيل والغناء آو الإيماء أو أية وسيلة أخرى ، علما أن هاجس المس بالحريات يبدو جليا في المادة المذكورة اذ يتم استعمال مقتضيات قانونية ظاهرها حماية الديانات والرسل ولكن قد تشكل هذه المقتضيات آليات قمعية قد تمس بحرية الرأي والتعبير والإبداع والنقد لان تجريم ازدراء الله والرسل قد يكون سياقه دوليا لما تتعرض الديانات للسب والازدراء آو لما يكون الهاجس استعمال الدين للتفرقة الطائفية، أما بالنسبة للمغرب فان تجريم هذه الأفعال والأقوال لا جدوى منه لان المجتمع المغربي لا يعاني من ردة أو تعدد الأديان وإنما شيمته الاعتدال والتشبث بقيم الانفتاح والتسامح والحوار والتفاهم بين الثقافات والحضارات الإنسانية وان الإسلام دين الدولة بدون منازع ولا يطرح أي إشكال للمغاربة عبر العصور والأجيال  والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية بقوة دستور 2011 ، كما أن الإبقاء على الأعذار المخفضة فيما اعتبره الحقوقيون  جرائم الشرف crimes d’honneur يعتبر نكوصا وتراجعا إذ متع أي احد من أفراد العائلة بدل رب العائلة في القانون الحالي بأعذار مخفضة لما يرتكب عنفا او جريمة قتل غير عمدي في حالة مفاجأته لأشخاص   يمارسون علاقات جنسية في منزله ، وهو استيراد خاطئ ومتناقض مع حقوق الإنسان من تشريعات دول متخلفة حقوقيا وقانونيا ، وبدل تشديد العقاب لكون الأمر يتعلق بارتكاب جريمة استهدفت حياة الأشخاص تم تمتيع الفاعل بالأعذار  المخفضة وفي ذلك تشجيع سافر لارتكاب تجاوزات وجرائم قتل . في حين أن شرعنة  الجريمة وتبريرها تعد في قمة الاستهتار بحقوق الإنسان. 

من بين سلبيات المشروع العقوبات السالبة للحرية في الشق المتعلق بالفضاء الرقمي كمساحة للتعبير، إذ أنها لا ترقى و لا تواكب  ولا تتلاءم مع متطلبات  العصر والمجتمع، إذ أن العديد منها يمس المكتسبات في مجال الحريات والتعبير والتضييق على الصحافة وأنشطة الجمعيات ، كما أن مقتضيات المادة 1-448 جاءت فضفاضة وقد تؤدي إلى تأويلات قد تمس بحرية الرأي، لأن التقاط الصور آو بث التسجيلات أو المعلومات دون موافقة أصحابها قد تتناقض مع مبدأ حق الوصول إلى المعلومة لذلك يتعين تصويب المادة  بما يكفل حماية الحياة الخاصة وفي نفس الوقت ضمان حق المواطنين في معرفة ما يجري والاطلاع على أقوال وتصريحات القائمين على الشأن العام في إطار الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وكما أن الإبقاء على مقتضيات المادة 288 التي تعاقب من يعرقل حرية العمل سنها المستعمر من اجل تخويف المواطنين المغاربة إبان الاستعمار، لم يراع تطور الحقوق والحريات، الأكثر من ذلك فان المادة 265 من المشروع التي تعاقب على إهانة الهيآت المنظمة لم تعرف من هي الهيآت المنظمة شانها في ذلك شان المادة الحالية والتي كانت محل انتقاد من طرف منظمات دولية مثل هيومان رايتس، كما أن جريمة التحرش الجنسي المنصوص عليها في المادة 503 من المشروع ستواجه حتما بصعوبة التطبيق، إذ أن أي نص تشريعي متعذر التطبيق لا جدوى منه إذ كيف يعقل أن تتمكن المتحرش بها في الطريق العام أن تتقدم بشكوى ضد من تحرش بها؟ إضافة إلى ذلك قد تفتح هذه المادة المجال لتفسيرات وتأويلات مصدرها تصفية الحسابات خصوصا بالنسبة للزملاء في العمل آو بمناسبة إرسال وتبادل الصور آو الإمعان في المضايقة الشيء الذي يتعين معه إجراء تصويبات تجرم التحرش و تمكن من تطبيق النص وتحمي من الانزلاقات وتصفية الحسابات . 

لا احد يجادل في أن للمشروع إيجابيات، على رأسها العقوبات البديلة التي ستمكن لا محالة من مواجهة معضلة اكتظاظ السجون، كما أنها ستساهم في ضخ أموال في خزينة الدولة، علما أن العقوبات البديلة هي التي يحكم بها كبديل للعقوبات السالبة للحرية في الجنح التي لا تتعدى العقوبة المحكوم بها من اجلها سنتين حبسا، وتتمثل هذه العقوبات في العمل لأجل منفعة عامة، وغرامة يومية تتراوح ما بين 100 درهم و2000درهما، وتدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية، وان هذه العقوبات البديلة لا تطبق بالنسبة لجرائم الاختلاس والغدر والرشوة واستغلال النفوذ، والاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية، والاتجار في الأعضاء البشرية ، والاستغلال الجنسي للقاصرين .

من بين المقتضيات الإيجابية تجريم الزواج القسري بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من 2000 إلى 20000 درهم مع مضاعفة العقوبة في حالة كون الضحية قاصر، ويعاقب عن المحاولة كالجريمة التامة، من المقتضيات الإيجابية عدم قضاء العقوبة في نفس الوقت بالنسبة للزوجين معا في حالة وجود شخص مريض أو معاق ذهنيا أو جسديا أو مسنا تحت إشرافهما،  لأن النص الحالي لا يشمل هذه الحالة، وإنما يقتصر على وجود طفل اقل من 18 سنة تحت كفالتهما، بالإضافة إلى الإيجابيات.

 تجدر الإشارة إلى إمكانية تأجيل العقوبة السالبة للحرية في حالة معاناة المحكوم عليه من مرض خطير مثبت بشواهد طبية تحررها لجنة مكونة من ثلاث أطباء، كما أن تجريم الإثراء غير المشروع للموظف العمومي طبقا للمادة 7-256 يعتبر من إيجابيات المشروع في إطار الشفافية ومحاربة الفساد، ذلك أن مقارنة دخل الموظف بما راكمه من ثروات غير مبررة خلال مدة وظيفته قد تعرضه للمساءلة إن هو لم يبرر مصدر الأموال المتحصل عليها، من جهة أخرى فان تجريم الاختفاء القسري يعتبر من إيجابيات المشروع مقارنة مع ما عاناه المغرب في سنوات الرصاص، ذلك أن المادة 9-231 تجرم كل اعتقال أو احتجاز آو اختطاف أو أي شكل من الأشكال السالبة للحرية يرتكبه الموظفون العموميون  أو أشخاص يتصرفون بموافقة الدولة أو بإذنها أو بدعم منها، وفي هذا تناغم مع مقتضيات الفصل 23 من الدستور الذي يعتبر الاعتقال التعسفي أو السري والاختفاء القسري من اخطر الجرائم وتعرض مقترفيها لأقسى العقوبات، في الباب الثاني المتعلق بالحريات والحقوق الأساسية.

 تضاف إلى المقتضيات الإيجابية التي تتلاءم مع مستجدات الإكراهات المجتمعية تجريم وعقاب الغش في الامتحانات والمباريات، على اعتبار أن هذه الظاهرة أصبحت متفشية في المغرب، لذلك جرمت المادة 391 الغش في الامتحانات الدراسية والمهنية والمباريات، وعاقبت على ارتكابها بعقوبات قاسية تتراوح بين سنتين إلى خمس سنوات حبسا، كما تجرم واقعة تسليم أو تسريب مواضيع الامتحان .

 من بين الإيجابيات المهمة التي تؤرق جفن من ينتظر تنفيذ الأحكام ما نصت عليه المادة 307 التي تجرم وتعاقب من تسبب بسوء نية في تأخير مسطرة قضائية نتج عنها الأضرار بمصالح المستفيدين، كما يعاقب من شهر إلى ثلاث أشهر وغرامة من 2000 إلى 20000 درهم كل من يمتنع بدون سبب مشروع عن تنفيذ حكم أو أمر قضائي بعد إعذاره بتنفيذ الحكم داخل ثلاثين يوما، علما أن هذا المقتضى سيجعل كل مسؤول عن تنفيذ الأحكام مواجه شخصيا بنتيجة الامتناع عن تنفيذ الأحكام بدون سبب مشروع .

ومما لا شك فيه أن تجريم المادة 444 للقذف والسب العلني للمرأة بسبب جنسها وتحديد العقوبة في الحبس من شهر إلى سنتين والغرامة من 5000 إلى 50000 درهما، صيانة لكرامة المرأة واعتبارها، وتماشيا مع روح الدستور الذي يحظر ويكافح كل أشكال التمييز بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي مهما كان . 

وفي إطار ملائمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية،  نص المشروع في الباب السابع على جرائم الإبادة الجماعية والحرب والجرائم ضد الإنسانية على غرار ما ينص عليه نظام روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية هذه المحكمة التي تعتبر قضاء مكملا للقضاء الوطني ولا تمارس اختصاصها إلا إذا لم تمارسه الدولة التي لها الولاية على الدعوى في حالة عدم الرغبة أو عدم القدرة على تطبيق التشريع الوطني بسبب انهيار نظامها القضائي أو إذا كانت المحاكمة صورية أو من اجل التمويه أو لم تتوفر فيها شروط المحاكمة العادلة وبذلك فان تنصيص المشروع على ملاحقة مجرمي الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وهي التي تشكل نطاقا هجوميا واسعا أو منهجيا ضد السكان المدنيين، وتتجلى في جرائم القتل العمد والإبادة والاسترقاق والميز العنصري والاغتصاب والاضطهاد وإلحاق معاناة جسيمة وآلام شديدة  تجعل الاختصاص ينعقد للتشريع الوطني المغربي، علما أن المشروع نص في بعض هذه الجرائم على عقوبة الإعدام، في حين لا ينص نظام روما في مقتضياته على عقوبة الإعدام، ولعل هذه المقتضيات تحلل المغرب من التزاماته الدولية المنصوص عليها في الدستور، والتي تجعل الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة تسمو فور نشرها اعلي التشريعات الوطنية . 

بما أن مشروع القانون الجنائي يستهدف حقوق الإنسان بالمغرب حسب  فئة من الحقوقيين ومنظمات المجتمع المدني والإعلاميين لما تضمنه من عبارات فضفاضة مبهمة وغامضة أحيانا تفتح باب التأويل على مصراعيه وتعطي  للقاضي سلطة تقديرية انتقائية يمكن أن تفرز انعكاسات سلبية على المواطن ، دون أن نجادل  أن هناك بعض المقتضيات الإيجابية التي جاءت مطابقة لروح الدستور وملائمة لفصوله وللاتفاقيات الدولية ، يتعين العمل على طرحه للمزيد من النقاش مع إشراك جميع الفاعلين من اجل التصويب والتجويد والمزيد من تحصين الحقوق والحريات . 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*